spot_img

ذات صلة

مبادرة «زي ما يقول الكتاب»: تعزيز الثقافة البيئية بمدارس السعودية

مبادرة «زي ما يقول الكتاب»: رؤية المملكة 2030 نحو بيئة مدرسية مستدامة

في إطار التزام المملكة العربية السعودية بتحقيق أهداف التنمية المستدامة ورؤيتها الطموحة 2030، أطلقت وزارة البيئة والمياه والزراعة مبادرة وطنية رائدة تهدف إلى ترسيخ الثقافة البيئية في صميم المنظومة التعليمية. هذه المبادرة، التي تحمل عنوان «زي ما يقول الكتاب»، ليست مجرد حملة توعوية عابرة، بل هي مشروع استراتيجي يسعى لتحويل المدارس إلى بيئات مستدامة حقيقية، وتنشئة جيل واعٍ يمارس السلوكيات البيئية الصحيحة كجزء لا يتجزأ من حياته اليومية. وتأتي هذه الخطوة في سياق أوسع ينسجم تمامًا مع مبادرة السعودية الخضراء، التي أطلقها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والتي تهدف إلى تعزيز جودة الحياة وحماية البيئة للأجيال الحالية والمستقبلية.

السياق العام والخلفية التاريخية للحدث

لطالما كانت القضايا البيئية محور اهتمام عالمي متزايد، ومع تسارع وتيرة التغيرات المناخية وتحديات ندرة الموارد، أصبح دور التعليم في بناء الوعي البيئي أكثر أهمية من أي وقت مضى. في المملكة العربية السعودية، ومع إطلاق رؤية 2030، تضاعف التركيز على الاستدامة البيئية كركيزة أساسية للتنمية الشاملة. مبادرة السعودية الخضراء، التي تستهدف زراعة 10 مليارات شجرة وتقليل الانبعاثات الكربونية، تمثل مظلة كبرى تندرج تحتها العديد من المبادرات الفرعية، ومنها هذه المبادرة التعليمية. تاريخيًا، ربما لم يكن التعليم البيئي ممنهجًا بالقدر الكافي في المناهج الدراسية، مما يجعل مبادرة «زي ما يقول الكتاب» نقطة تحول حاسمة نحو دمج المفاهيم البيئية بشكل عميق ومستمر في رحلة الطالب التعليمية.

أهمية الثقافة البيئية في المدارس: بناء جيل واعٍ

تُعد المدارس الحاضنة الأولى لتشكيل وعي الأجيال القادمة، ومن هنا تنبع الأهمية القصوى لتعزيز الثقافة البيئية داخلها. فغرس السلوكيات الصحية والمستدامة لدى الطلاب والمعلمين، سواء داخل البيئة المدرسية أو خارجها، يسهم بشكل مباشر في حماية البيئة وصون الموارد الطبيعية. هذه المبادرة لا تقتصر على تعليم المفاهيم النظرية، بل تتجاوز ذلك إلى تشجيع الطلاب على تبني ممارسات يومية ملموسة تحافظ على البيئة المدرسية والمجتمع ككل. إنها استثمار في المستقبل، يضمن وجود مواطنين مسؤولين بيئيًا قادرين على مواجهة التحديات البيئية المعاصرة والمستقبلية.

إرشادات عملية لبيئة مدرسية مستدامة

لتحقيق أهداف المبادرة، دعت الوزارة الطلاب والمعلمين إلى الالتزام بمجموعة من الإرشادات البيئية العملية داخل الفصول الدراسية وفي جميع مرافق المدرسة. من أبرز هذه الإرشادات: وضع النفايات في أماكنها المخصصة لتعزيز ثقافة الفرز وإعادة التدوير، وتقليل استخدام الورق عبر الكتابة على الوجهين لترشيد استهلاك الموارد، وتهوية الفصول بانتظام للحفاظ على جودة الهواء ودرجة حرارة مثالية (20-25 درجة مئوية) ورطوبة مناسبة (40-60%). كما تشمل الإرشادات ترشيد استهلاك الطاقة من خلال إغلاق أجهزة التكييف عند عدم الحاجة وتنظيف فلاترها بانتظام، وضبط أجهزة الحاسوب على وضع توفير الطاقة. هذه الممارسات البسيطة، عند تطبيقها بشكل جماعي، تحدث فرقًا كبيرًا في البصمة البيئية للمدرسة.

تكامل الجهود: من الوزارة إلى الأسرة

أكد الدكتور الرمضي قاعد الصقري، مدير عام الإدارة العامة لمنظمات القطاع غير الربحي بوزارة البيئة والمياه والزراعة، أن تفعيل المبادرة يتم من خلال دمجها في البيئة التعليمية اليومية والحصص الدراسية، وتنفيذ برامج تطبيقية تشمل التشجير المدرسي، وفرز النفايات، وترشيد استهلاك المياه والطاقة. وأشار إلى أهمية تنظيم أيام بيئية مفتوحة يشارك فيها الطلاب والمعلمون وأولياء الأمور، لربط المبادرة بسلوكيات حياتية واقعية، مما يجعل الاهتمام بالبيئة مسؤولية شخصية وليست مجرد شعار. كما شدد على دور المدرسة كمحرك أساسي للمبادرة، عبر توفير بيئة داعمة للسلوك البيئي الإيجابي، ودمج المبادرة ضمن الخطط التشغيلية والأنشطة اللاصفية، وتحفيز الطلاب ببرامج تشجيعية ومسابقات بيئية. ويأتي بناء الشراكات مع الجهات ذات العلاقة، مثل وزارة التعليم والجمعيات البيئية، وإشراك الأسرة في تعزيز الرسائل التوعوية خارج المدرسة، كعوامل حاسمة لنجاح هذه الجهود.

تحديات وفرص نحو مدارس مستدامة

على الرغم من وجود مظاهر للاهتمام بالبيئة في بعض المدارس، إلا أن الدكتور الصقري أشار إلى أنها ما تزال متفاوتة وغير ممنهجة في كثير من الأحيان. هنا تبرز أهمية المبادرات الوطنية مثل «زي ما يقول الكتاب» لتوحيد الجهود وتحويل الاهتمام بالبيئة إلى ممارسة يومية راسخة. وأكد التربوي والإعلامي خالد محمد الحسيني أن تطبيق الإرشادات البيئية ما يزال يشوبه بعض القصور، مشددًا على دور المدرسة المحوري في ترسيخ هذه المفاهيم عبر المناهج والأنشطة اليومية، وضرورة أن يكون المعلمون والإدارة قدوة حسنة. كما لفت إلى أن الاهتمام بالبيئة يتجاوز النظافة ليشمل ترشيد استهلاك الماء والكهرباء والتعامل السليم مع النفايات.

من جانبه، أكد أستاذ علم البيئة بجامعة الطائف ورئيس مجلس إدارة جمعية الطائف الخضراء، الدكتور سعد عايض العتيبي، أن المبادرة تتقاطع مع مبادرات «المدارس المستدامة» ضمن مفهوم «أنسنة المدارس». وأشار إلى تجارب ناجحة في 15 مدرسة بالطائف، حيث تم تطبيق 21 معيارًا للمدارس المستدامة، مما أظهر إمكانية تحقيق وفر يصل إلى 40% من فواتير المياه والطاقة، مع انتقال أثر البرنامج إلى منازل الطلاب. ورغم التحديات مثل محدودية المساحات المخصصة للتشجير، أكد العتيبي إمكانية إعادة تصميم الفناء المدرسي لتوفير مساحات خضراء ضرورية لتحسين الأداء الأكاديمي والصحة النفسية والبدنية للطلاب.

تأثير المبادرة: محليًا وإقليميًا وعالميًا

إن نجاح مبادرة «زي ما يقول الكتاب» سيكون له تأثيرات إيجابية متعددة المستويات. محليًا، ستسهم في بناء جيل واعٍ بيئيًا، قادر على المساهمة الفاعلة في تحقيق مستهدفات رؤية 2030 ومبادرة السعودية الخضراء، مما يعزز جودة الحياة ويحافظ على الموارد الطبيعية للمملكة. إقليميًا، يمكن أن تصبح المملكة نموذجًا يحتذى به في المنطقة، ملهمة الدول الأخرى لتبني برامج مماثلة لتعزيز التعليم البيئي. هذا الدور الريادي يعزز مكانة المملكة كقوة إقليمية ملتزمة بالاستدامة. عالميًا، تساهم هذه المبادرة بشكل مباشر في تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، خاصة الهدف الرابع (التعليم الجيد) والهدف الثالث عشر (العمل المناخي)، مما يعكس التزام المملكة بالجهود الدولية لمكافحة تغير المناخ وبناء مستقبل أكثر استدامة للجميع. إنها خطوة نحو مستقبل تتناغم فيه التنمية مع الحفاظ على كوكبنا.

spot_imgspot_img