أظهرت أحدث بيانات الهيئة العامة للإحصاء (GASTAT) أن قيمة صادرات المملكة العربية السعودية من الخدمات قد بلغت نحو 58.2 مليار ريال سعودي خلال الربع الثالث من عام 2025. هذه الأرقام تعكس نموًا ملحوظًا بنسبة 27% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق (2024)، مما يؤكد الزخم المتزايد للقطاع الخدمي في المملكة. ومع ذلك، شهدت الصادرات تراجعًا طفيفًا بنسبة 6% مقارنة بالربع الثاني من عام 2025، وهو ما قد يعزى إلى عوامل موسمية أو تغيرات في الطلب العالمي.
تصدرت خدمات السفر قائمة الصادرات بقيمة بلغت 33.8 مليار ريال، مشكلةً بذلك 58% من إجمالي صادرات الخدمات. ويُعد هذا مؤشرًا قويًا على الدور المحوري الذي تلعبه السياحة والضيافة في تعزيز الإيرادات غير النفطية للمملكة، حيث مثلت خدمات السفر الشخصية وحدها نحو 89% من إجمالي خدمات السفر. وجاءت خدمات النقل في المرتبة الثانية، مسجلةً 9.7 مليار ريال، أي ما يعادل 17% من الإجمالي، مما يعكس الأهمية المتزايدة للمملكة كمركز لوجستي إقليمي.
على صعيد الواردات، بلغت قيمة واردات المملكة من الخدمات حوالي 120.8 مليار ريال خلال الربع الثالث من عام 2025، مسجلةً نموًا بنسبة 5% عن الفترة المماثلة من العام الماضي. وكانت خدمات النقل هي الأعلى قيمة في الواردات، حيث وصلت إلى 32.3 مليار ريال (27% من الإجمالي)، تليها خدمات السفر بنحو 30.8 مليار ريال.
تأتي هذه النتائج في سياق التحولات الاقتصادية الكبرى التي تشهدها المملكة ضمن رؤية السعودية 2030 الطموحة، والتي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط. تلعب الهيئة العامة للإحصاء دورًا حيويًا في توفير البيانات الدقيقة والموثوقة التي تدعم صناعة القرار وتوجيه السياسات الاقتصادية. إن قياس التجارة الدولية في الخدمات، بما في ذلك خدمات النقل والسفر والخدمات المالية والاتصالات وغيرها، يعد حجر الزاوية لفهم ديناميكيات الاقتصاد الوطني وتحديد مجالات النمو والفرص الاستثمارية.
تاريخيًا، اعتمد الاقتصاد السعودي بشكل كبير على صادرات النفط الخام. ومع ذلك، فإن الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية السياحية والترفيهية، مثل مشاريع نيوم والبحر الأحمر والقدية، بالإضافة إلى تسهيل إجراءات الحصول على التأشيرات السياحية، قد بدأت تؤتي ثمارها في تعزيز قطاع الخدمات. هذه الجهود تهدف إلى تحويل المملكة إلى وجهة عالمية رائدة للسياحة والأعمال، مما ينعكس إيجابًا على أرقام صادرات الخدمات.
إن النمو في صادرات الخدمات، وخاصة السفر، له تأثيرات إيجابية متعددة على الاقتصاد المحلي. فهو يساهم في خلق فرص عمل جديدة للمواطنين السعوديين في قطاعات الضيافة والسياحة والنقل، ويدعم نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة. كما يعزز من جاذبية المملكة للاستثمارات الأجنبية المباشرة في هذه القطاعات، مما يؤدي إلى نقل المعرفة والتقنيات الحديثة.
على الصعيد الإقليمي والدولي، تعزز هذه الأرقام مكانة المملكة كقوة اقتصادية صاعدة ومركز محوري للتجارة والخدمات في منطقة الشرق الأوسط. فمع التوسع في شبكات النقل الجوي والبحري وتطوير الموانئ والمطارات، تسعى السعودية لتكون حلقة وصل رئيسية بين القارات الثلاث. هذا التوجه لا يدعم فقط الصادرات السعودية، بل يعزز أيضًا من دور المملكة في سلاسل الإمداد العالمية.
يهدف المسح الذي تجريه الهيئة العامة للإحصاء إلى تكوين قاعدة بيانات شاملة تقيس أثر الخدمات في ميزان المدفوعات، وهو مؤشر حيوي للصحة الاقتصادية لأي دولة. من خلال تتبع 12 خدمة وطنية رئيسية، يمكن للحكومة تحديد القطاعات التي تحتاج إلى دعم إضافي وتلك التي تحقق أداءً قويًا، مما يمكنها من صياغة سياسات اقتصادية أكثر فعالية لتحقيق التنمية المستدامة وتنويع قاعدة الاقتصاد الوطني.
باختصار، تشير بيانات الربع الثالث 2025 إلى مسار إيجابي لقطاع الخدمات السعودي، مدعومًا بالاستراتيجيات الحكومية الطموحة. ومع استمرار تنفيذ رؤية 2030، من المتوقع أن يستمر هذا القطاع في النمو ليصبح ركيزة أساسية للاقتصاد السعودي المزدهر.


