في خطوة تعكس حرص مجلس الشورى السعودي على تعزيز مسيرة التنمية الشاملة وتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، شهدت الجلسة الثامنة والعشرون من أعمال السنة الثانية للدورة التاسعة نقاشات مستفيضة وتوصيات جوهرية. هذه توصيات مجلس الشورى السعودي لم تقتصر على جانب واحد، بل شملت محاور متعددة تتراوح بين كفاءة الإنفاق، وتطوير البنية التحتية اللوجستية، وصولاً إلى تعزيز الاستقرار الأسري ودعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة. وقد ألقت تداعيات إغلاق مضيق هرمز بظلالها على مداخلات الأعضاء، مما أبرز الأهمية الاستراتيجية لتعزيز قدرات المملكة اللوجستية كبديل حيوي للطرق التجارية العالمية.
توصيات مجلس الشورى السعودي: ركيزة التنمية ومحرك الإصلاح
يُعد مجلس الشورى في المملكة العربية السعودية هيئة استشارية وتشريعية محورية، تضطلع بدور حيوي في مراجعة الأنظمة واللوائح، ومناقشة تقارير الأداء الحكومي، وتقديم التوصيات التي تسهم في تطوير العمل الحكومي وتحقيق الصالح العام. تأسس المجلس بصيغته الحديثة في عام 1993، وشهد تطورات مستمرة لتعزيز دوره في الحوكمة الرشيدة ودعم مسيرة الإصلاح والتنمية التي تشهدها المملكة، لا سيما في ظل رؤية 2030 الطموحة. هذه الرؤية التي تهدف إلى بناء اقتصاد مزدهر ومجتمع حيوي ووطن طموح، تتطلب تضافر الجهود من كافة الجهات، ومجلس الشورى يقف في طليعة هذه الجهود عبر مراجعاته وتوصياته الدقيقة.
نحو كفاءة إنفاق مستدامة وتأثير مجتمعي شامل
في سياق تعزيز الحوكمة المالية وتحقيق أقصى استفادة من الموارد، طالب مجلس الشورى هيئة كفاءة الإنفاق والمشروعات الحكومية بتطوير إطار وطني شامل لقياس الأثر. هذا الإطار يهدف إلى تقييم التأثير الكلي لمبادرات الهيئة على جودة الخدمات، مع الأخذ في الاعتبار الأبعاد المالية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية. إن قياس الأثر ليس مجرد إجراء إداري، بل هو ركيزة أساسية لضمان أن الإنفاق الحكومي يحقق قيمة مضافة حقيقية للمجتمع والاقتصاد، ويساهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. هذا التوجه يعكس التزام المملكة بتعزيز الشفافية والمساءلة، وضمان أن كل ريال يُنفق يعود بالنفع على المواطن والوطن.
تعزيز الاستقرار الأسري عبر التوعية بقضايا الأحوال الشخصية
إدراكاً لأهمية الأسرة كحجر الزاوية في بناء المجتمع، أصدر المجلس قراراً يدعو وزارة العدل إلى التنسيق مع الجهات ذات العلاقة لتبني مبادرة وطنية للتوعية بقضايا الأحوال الشخصية. تأتي هذه المبادرة في ظل التطورات التشريعية الأخيرة التي شهدتها المملكة، ومنها إصدار نظام الأحوال الشخصية الجديد، الذي يهدف إلى حماية الأسرة وتنظيم العلاقة بين أفرادها. تهدف هذه التوصية إلى وضع آليات تنفيذ ومؤشرات لقياس الأثر، بما يسهم في الحد من النزاعات الأسرية وتعزيز التماسك الاجتماعي. إن التوعية القانونية تمكّن الأفراد من معرفة حقوقهم وواجباتهم، مما يقلل من فرص الخلافات ويسهم في بناء مجتمع أكثر استقراراً وانسجاماً.
المملكة كمركز لوجستي عالمي: استجابة للتحديات الإقليمية
كان لتقرير وزارة النقل والخدمات اللوجستية نصيب كبير من نقاشات المجلس، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية التي تبرز أهمية مضيق هرمز كشريان حيوي للتجارة العالمية، وما قد يترتب على أي اضطراب فيه. المملكة العربية السعودية، بموقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط ثلاث قارات، تسعى جاهدة لتكون مركزاً لوجستياً عالمياً، وهو أحد الأهداف الرئيسية لرؤية 2030. في هذا السياق، طالب المجلس الوزارة بمضاعفة الجهود لتوفير بدائل فعالة في حال حدوث أزمات، وهو ما يتسق مع رؤية المملكة لتأمين سلاسل الإمداد العالمية. وقد دعا عضو المجلس فضل سعد البوعينين إلى إنشاء طريق الجبيل القصيم محور ينبع، وربط شرق المملكة بغربها بسكة حديد موازية لطريق الظهران الرياض جدة، مؤكداً على الأهمية الاستراتيجية لهذه المشاريع في تعزيز الأمن الوطني ورفد مكانة المملكة كمركز عالمي للنقل والخدمات اللوجستية. هذه المشاريع لا تقتصر على تسهيل الحركة التجارية الداخلية فحسب، بل تمثل أيضاً بديلاً حيوياً للممرات المائية المزدحمة، كما يتضح من إعلان 3 من كبريات شركات شحن الحاويات العالمية عن إطلاق مسار رئيسي جديد يربط أوروبا بالشرق الأوسط عبر المملكة متجاوزاً مضيق هرمز، مستفيداً من النقل البحري والبري داخل المملكة.
دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة ومستقبل البحث الاجتماعي
لم يغفل المجلس أهمية دعم القطاع الخاص، وخاصة المنشآت الصغيرة والمتوسطة، التي تعد محركاً أساسياً للنمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل. فقد طالب المجلس الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة لتطوير معايير مرنة للرسوم الحكومية والمقابل المالي، تراعي حجم المنشأة وعمرها ومنطقتها الجغرافية وطبيعة نشاطها. هذا التوجه يهدف إلى تحفيز ريادة الأعمال وتخفيف الأعباء على هذه المنشآت، مما يمكنها من النمو والازدهار والمساهمة بفاعلية أكبر في الاقتصاد الوطني. كما ناقش المجلس تقارير أخرى مهمة، منها التقرير السنوي للمركز الوطني للدراسات والبحوث الاجتماعية، حيث طالب الدكتور عبدالله عمر النجار المركز بإنشاء ذراع تنفيذية لتحويل مخرجات الدراسات إلى سياسات وبرامج قابلة للتطبيق، وتطوير نموذج متكامل للاستدامة المالية، مما يؤكد على أهمية البحث العلمي في توجيه القرارات التنموية.
تؤكد هذه توصيات مجلس الشورى السعودي على التزام المملكة بتحقيق تنمية شاملة ومستدامة، من خلال تعزيز الكفاءة في الإنفاق، وتطوير البنية التحتية اللوجستية، ودعم الأسرة والقطاع الخاص، والاستفادة من البحث العلمي. إنها خطوات استباقية نحو مستقبل أكثر ازدهاراً واستقراراً للمملكة والمنطقة.


