spot_img

ذات صلة

مجلس الشورى يراجع أداء الجامعات السعودية ومستقبل التعليم العالي

في إطار دوره الرقابي والتشريعي الهام، ناقش مجلس الشورى السعودي في جلسته العادية الحادية والعشرين من أعمال السنة الثانية للدورة التاسعة، برئاسة نائب رئيس المجلس الدكتور مشعل بن فهم السُّلمي، تقارير سنوية لعدد من الجامعات السعودية البارزة. تعكس هذه المناقشات، التي تضمنت سيلاً من الملاحظات والتطلعات، حرص المملكة على الارتقاء بمستوى التعليم العالي وتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030 الطموحة، التي تضع بناء الإنسان وتنمية القدرات البشرية في صميم أولوياتها.

لطالما كان التعليم ركيزة أساسية في مسيرة التنمية السعودية، وشهدت المملكة على مر العقود تطوراً كبيراً في قطاع التعليم العالي، من خلال إنشاء جامعات عريقة وبرامج ابتعاث ضخمة هدفت إلى تأهيل الكفاءات الوطنية في أرقى الجامعات العالمية. ومع ذلك، فإن هذا التوسع يواجه تحديات تتطلب مراجعة مستمرة وتقييماً دقيقاً لضمان جودة المخرجات وفعالية الاستثمار. تأتي مناقشات مجلس الشورى في هذا السياق، لتسليط الضوء على أبرز هذه التحديات وتقديم الحلول المقترحة، بهدف تعزيز مكانة الجامعات السعودية كمنارات للعلم والمعرفة ومحركات للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

من أبرز القضايا التي تناولها المجلس كانت تلك المتعلقة بجامعة الملك عبدالعزيز، حيث طالب المجلس بإجراء دراسة شاملة لأسباب ارتفاع نسبة المبتعثين العائدين دون الحصول على المؤهل العلمي. تُعد هذه الظاهرة تحديًا كبيرًا يستنزف الموارد الوطنية ويؤثر على خطط التنمية البشرية، خاصة وأن برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي، الذي انطلق في عام 2005، يمثل أحد أكبر الاستثمارات في رأس المال البشري. لذا، شدد المجلس على ضرورة وضع آليات أكثر فاعلية لمعالجة هذه المشكلة، بما يضمن تحقيق أقصى استفادة من برامج الابتعاث التي تمثل استثمارًا ضخمًا في مستقبل الوطن. كما طالب المجلس الجامعة بتطوير منظومة الحوكمة والأداء المؤسسي، وتعزيز كفاءة استثمار الموارد؛ لتحقيق الريادة المؤسسية محلياً وعالمياً، ومراجعة هيكلة مراكزها البحثية وتطويرها لتكون مراكز حلول وطنية تُعنى بمعالجة التحديات الاقتصادية والمجتمعية، وربط أدائها بمؤشرات قياس قائمة على الأثر والاستدامة. ولم يغفل المجلس أهمية تعزيز استثمار تجربة الجامعة في رياضة الأشخاص ذوي الإعاقة؛ بما يُسهم في نشر التجربة وتنمية مواردها الذاتية، وهو ما يتماشى مع جهود المملكة في تعزيز الشمولية ودعم الفئات الخاصة.

وفي سياق متصل، أصدر المجلس قراراً بشأن جامعة أم القرى، طالبها فيه بتطوير كفاءة منظومة القياس والتقويم لضمان دقة مؤشرات أدائها وواقعيتها، بما يسهم في تطوير الأداء وتحقيق الأهداف الاستراتيجية للجامعة. كما دعا إلى إعداد استراتيجية اتصال مؤسسية رقمية لتعزيز حضورها ومكانتها محلياً ودولياً، والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة لاستكمال بنيتها التحتية في الفروع بما يعزز جودة مخرجاتها، ودراسة إنشاء فروع لها خارج المملكة. هذه التوصيات تؤكد على أهمية الشفافية، التواصل الفعال، والتوسع المدروس لتعزيز مكانة الجامعات السعودية على الساحة العالمية، وتأهيلها للمنافسة في التصنيفات الدولية للجامعات.

ولم تقتصر الملاحظات على الجامعات الكبرى في المدن الرئيسية، بل امتدت لتشمل الجامعات في المناطق المختلفة، تأكيدًا على أهمية التنمية المتوازنة وربط التعليم باحتياجات التنمية المحلية. فقد دعا المجلس جامعة الحدود الشمالية لإعادة هيكلة كليات محافظتي رفحاء وطريف للتوسع في القبول، وطرح برامج بكالوريوس تتوافق مع الميز النسبية لكل محافظة، والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة لبناء شراكات استراتيجية مع قطاعات التعدين؛ بما يسهم في دعم التنمية الاقتصادية والمعرفية بالمنطقة، وزيادة القيمة المضافة للاقتصاد الوطني. كما أصدر المجلس قراراً بشأن جامعة القصيم، دعا فيه إلى إبراز هويتها المؤسسية ومجال تركيزها البحثي بما يعكس الميز النسبية لمنطقة القصيم، وتطوير منظومة الموارد البشرية لتعزيز جودة أدائها المؤسسي وكفاءتها التشغيلية. هذه التوصيات تعكس رؤية استراتيجية لربط التعليم باحتياجات سوق العمل المحلي والإقليمي، والاستفادة من الموارد الطبيعية والبشرية لكل منطقة، مما يسهم في تحقيق التنمية المستدامة وتنويع مصادر الدخل الوطني.

وفيما يخص جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، ناقش المجلس تقريرها السنوي، وأبدى أعضاء المجلس عدداً من الملحوظات والآراء الهامة. اقترح عضو المجلس الدكتور هشام الفارس أن تبادر الجامعة بالعمل على إنشاء رابطة عالمية للجامعات والكليات النسائية، لتنسيق وتطوير جهود هذه الجامعات والكليات، بما يعزز مكانة الجامعة إقليمياً ودولياً. وطالبت عضو المجلس الأميرة الدكتورة الجوهرة آل سعود الجامعة بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة لدراسة إعداد تصنيف عالمي للجامعات الممكنة للمرأة في مجال القيادة والإبداع والابتكار، بما يعزّز حضورها ومكانتها عالمياً. هذه المقترحات تبرز الدور المتنامي للمرأة السعودية في التنمية الوطنية، وتطلعات المملكة لتعزيز ريادتها في تمكين المرأة تعليمياً ومهنياً، بما يتماشى مع أهداف رؤية 2030 في زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل والمناصب القيادية، ورفع نسبة مساهمتها في الاقتصاد الوطني.

وفي مداخلة لافتة، أبدت عضو المجلس الدكتورة أمل الهزاني، تحفظها على ربط كسب جامعة نورة للتصنيف العالمي لكونها جامعة نسائية فقط، مؤكدة أن دخولها في تصنيف مع الجامعات النسائية في العالم يعد إضافة نوعية؛ كونه يخلق فرص التنافسية. من جانبه، ذهب عضو المجلس الدكتور عبدالله النجار في مداخلته إلى أن التحدي الرئيس للجامعة لم يعد متمثلاً في عدد البرامج الأكاديمية أو مستوى جودتها، بل في مدى مواءمتها مع التحول الجذري والسريع الذي تشهده العاصمة الرياض. وأكد النجار أن الخريجات يدخلن سوق عمل عالمي من حيث المعايير والتنافسية، بينما لا تزال كثير من البرامج مصممة وفق منطق مهني محلي أو تخصصي ضيق. وطالب الجامعة بإعادة تصميم برامجها الأكاديمية وفق نموذج “التعليم التكاملي للمهارات المستقبلية الموجهة بالفرص العالمية” مع إنشاء آليات شراكة عملية مع الشركات الكبرى المتواجدة في مدينة الرياض، والاستفادة من المؤتمرات والفعاليات الكبرى بوصفها منصات محاكاة تعليمية وتدريبية، لتحويل الجامعة إلى مركز تكامل بين التعليم والتطبيق العملي في بيئة اقتصادية ومعرفية ذات امتداد دولي. هذه الرؤى تؤكد على ضرورة أن تكون مخرجات التعليم مواكبة للمتغيرات الاقتصادية العالمية والمحلية، وأن تسهم الجامعات في بناء اقتصاد معرفي مستدام، قادر على المنافسة عالمياً.

أخيرًا، ناقش المجلس التقرير السنوي لجامعة الباحة؛ وطالب عضو المجلس غانم الغانم الجامعة بدراسة مبادرات جديدة وتأسيس نماذج استثمارية يمكن أن تسهم في تحقيق أهداف الجامعة في تعزيز الموارد الذاتية والاستدامة المالية. وأكد عضو المجلس الدكتور عبدالله الزهراني أهمية وضع جامعة الباحة خططاً للتحسين المستمر والتنظيم بعيادات كلية طب الأسنان وتجهيزها بما يضمن بيئة تدريب سريري فعّالة، وتأهيل الخريجين لسوق العمل، بما يسهم في رفع جودة الخدمات العلاجية. هذه التوصيات تسلط الضوء على أهمية الاستدامة المالية للجامعات ودورها في تقديم خدمات مجتمعية ذات جودة عالية، مع التركيز على التدريب العملي الذي يؤهل الخريجين لسوق العمل بفاعلية.

إن هذه المناقشات المستفيضة في مجلس الشورى حول أداء الجامعات السعودية ليست مجرد مراجعة روتينية، بل هي جزء لا يتجزأ من استراتيجية وطنية أوسع تهدف إلى بناء نظام تعليم عالٍ عالمي المستوى، قادر على إنتاج قادة ومبتكرين يسهمون بفاعلية في تحقيق أهداف رؤية 2030. إن معالجة تحديات الابتعاث، وتطوير الحوكمة، وتعزيز البحث العلمي التطبيقي، ومواءمة المخرجات مع متطلبات السوق العالمية، وتمكين المرأة، كلها محاور أساسية لضمان مستقبل مشرق للمملكة وشبابها، وتعزيز مكانتها كقوة اقتصادية ومعرفية رائدة على الصعيدين الإقليمي والدولي.

spot_imgspot_img