في شهادة مؤثرة تعكس عمق العلاقة الأخوية والتاريخية، أكد ثابت محمد عسكر المفلحي، رئيس الجالية اليمنية بالمدينة المنورة وعضو الاتحاد العالمي للجاليات اليمنية، أن الدعم السخي والمتواصل الذي قدمته المملكة العربية السعودية لليمن كان بمثابة نقطة تحول حاسمة في مسار الأزمة اليمنية المعقدة. هذا الدعم، الذي شمل جوانب سياسية وإنسانية واقتصادية وعسكرية وتنموية، لم يقتصر على التخفيف من حدة المعاناة فحسب، بل أسهم بشكل مباشر وفعال في الحفاظ على كيان الدولة اليمنية ومنعها من الانهيار الكامل، معيداً الأمل إلى قلوب اليمنيين في مستقبل أفضل.
جذور العلاقة التاريخية ودور المملكة المحوري
تتجاوز العلاقة بين المملكة العربية السعودية واليمن مجرد الجوار الجغرافي، لتشكل نسيجاً متجذراً من الروابط الأخوية والاجتماعية والتاريخية التي تعود لقرون طويلة. هذه العلاقة مبنية على مصالح استراتيجية مشتركة، أهمها الأمن والاستقرار في البلدين والمنطقة ككل. فمنذ اندلاع الأزمة اليمنية وتصاعد التحديات الأمنية والإنسانية، خاصة بعد انقلاب مليشيا الحوثي المدعومة إيرانياً على الشرعية، وجدت المملكة نفسها في طليعة الدول الداعمة للشعب اليمني وحكومته الشرعية. لم يكن هذا التدخل مجرد رد فعل، بل كان التزاماً راسخاً بمبادئ حسن الجوار ودعم الشرعية الدولية، بهدف استعادة الاستقرار ومنع اليمن من الانزلاق نحو الفوضى والتفكك، وهو ما كان سيشكل تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي والدولي.
دعم استثنائي متعدد المسارات: من السياسة إلى التنمية
أوضح المفلحي أن الدعم السعودي لم يقتصر على مسار واحد، بل كان شاملاً ومتعدد الأوجه، ليغطي جميع الاحتياجات الملحة. ففي الجانب السياسي، لعبت المملكة دوراً محورياً في دعم الشرعية اليمنية، وسعت جاهدة لجمع الأطراف اليمنية المختلفة على طاولة الحوار، إيماناً منها بأن الحل السياسي هو السبيل الوحيد لإنهاء الصراع والحفاظ على وحدة اليمن وسيادته. أما على الصعيد العسكري، فقد جاء التدخل ضمن تحالف دعم الشرعية استجابة لطلب الحكومة اليمنية، بهدف حماية المدنيين ومؤسسات الدولة من التهديدات الحوثية.
وفي الجانب الإنساني، برز دور مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية (KSrelief) كنموذج عالمي للعطاء. فقد كان المركز في مقدمة الجهات الداعمة لليمن، مقدماً مساعدات غذائية وطبية وإيوائية عاجلة لملايين اليمنيين. تشمل جهود المركز إيواء نحو مليون شخص، وتوفير الغذاء والدواء والرعاية الصحية، بالإضافة إلى دعم البنك المركزي اليمني لتعزيز استقرار العملة والاقتصاد، وهو ما كان له أثر مباشر في التخفيف من حدة الأزمة الإنسانية التي تعد من بين الأسوأ في العالم. هذه المبادرات لم تكن مجرد استجابة طارئة، بل كانت جزءاً من استراتيجية شاملة تهدف إلى بناء قدرات اليمنيين على المدى الطويل.
تحول حقيقي على الأرض: انعكاس مباشر على حياة المواطن
وصف المفلحي الأثر المباشر للدعم السعودي على الداخل اليمني بأنه “عظيم جداً”، مؤكداً أن الشعب اليمني يثمّن هذه الجهود التي انعكست إيجاباً على حياته اليومية. فبفضل هذا الدعم، بدأت عجلة الحياة تدور من جديد في العديد من المناطق المحررة، حيث بدأ الموظفون والعسكريون يتسلمون رواتبهم بانتظام، وتحسن مستوى الخدمات الأساسية بشكل ملحوظ، حتى أن الكهرباء أصبحت تعمل بشكل لم يكن مألوفاً في بعض المناطق التي عانت طويلاً من الانقطاعات. هذه التحسينات الملموسة أعادت الثقة والأمل للمواطنين، وشكلت دليلاً قاطعاً على فعالية الدعم السعودي في إعادة بناء ما دمرته الحرب.
كما أشار إلى برنامج إعمار اليمن، الذي تشرف عليه المملكة، مؤكداً أن المشاريع التنموية التي نفذتها المملكة في مختلف القطاعات، من البنية التحتية إلى الخدمات الأساسية، قد أحدثت “تحولاً حقيقياً على الأرض”. ففي عدن، على سبيل المثال، يعيش الناس فرحة حقيقية بعد استلام الرواتب وتحسن الخدمات، مما يعكس التفاؤل الكبير الذي يسود مختلف فئات المجتمع اليمني، من مثقفين وتجار ووجهاء، نحو المرحلة القادمة.
الجالية اليمنية في المملكة: نموذج للتعايش والمساهمة
تعد الجالية اليمنية في المملكة العربية السعودية أكبر الجاليات اليمنية في الخارج، وتحظى بتقدير واحترام كبيرين. أكد المفلحي أن اليمنيين المقيمين في المملكة يعاملون معاملة كريمة تعكس عمق العلاقة بين الشعبين الشقيقين. وقد قدمت المملكة تسهيلات متعددة خلال السنوات الماضية، مراعاة للظروف الصعبة التي تمر بها بلادهم، مما مكن عشرات الآلاف من تعديل أوضاعهم القانونية منذ عام 2015، وتحول الكثير منهم إلى مستثمرين وتجار يساهمون بفعالية في الاقتصاد السعودي.
المكرمة الملكية في عام 2020 كانت نقطة تحول أخرى، حيث أسهمت في دخول اليمنيين بقوة في مجال الاستثمار، ليصبح اليمني مستثمراً وكأن البلد بلده. هذا الاندماج والمساهمة الإيجابية تعكس شعور اليمنيين بأنهم “جسد واحد” مع المجتمع السعودي، ويعملون جنباً إلى جنب مع المواطنين والمقيمين والمستثمرين الآخرين لتحقيق أهداف رؤية المملكة 2030 الطموحة، التي تسعى لبناء مستقبل مزدهر للمنطقة بأسرها.
المستقبل مرهون بالوحدة والشراكة الإقليمية
وفي نظرته لمستقبل اليمن، شدد المفلحي على أن هذا المستقبل مرهون بقدرة اليمنيين أنفسهم على توحيد صفوفهم وتجاوز الخلافات التي مزقت بلادهم. وأكد أن الوقت قد حان لمشروع وطني جامع يعيد بناء مؤسسات الدولة ويحقق السلام المنشود. اليمن يمتلك مقومات هائلة تؤهله للنهوض مجدداً، خاصة مع الدعم المستمر من أشقائه وأصدقائه، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية.
وعلى الرغم من التشاؤم الذي ساد في فترات سابقة بسبب الأحداث المتلاحقة في عدن وحضرموت وغيرها، إلا أن استلام المملكة للملف اليمني أعاد الأمل بالكامل. فالتفاؤل بمستقبل باهر، خاصة في المناطق الجنوبية، أصبح شعوراً حقيقياً وملموساً. وجدد رئيس الجالية اليمنية التأكيد على الدور القيادي للسعودية وقيادتها الحكيمة للمرحلة الراهنة، سواء على الصعيد العسكري أو الاقتصادي أو المالي أو الإنساني، مؤكداً أن هذا الدور هو الضمانة الأساسية لاستعادة اليمن عافيته واستقراره.


