في خطوة تمثل تحولاً استراتيجياً في العلاقات الثنائية، شهدت العاصمة السورية دمشق توقيع 80 اتفاقية ومذكرة تعاون بين المملكة العربية السعودية والجمهورية العربية السورية، بقيمة إجمالية تتجاوز 40 مليار ريال سعودي. وجاء هذا الإعلان التاريخي خلال زيارة رسمية لوفد سعودي رفيع المستوى برئاسة وزير الاستثمار، المهندس خالد بن عبدالعزيز الفالح، حيث تم التوقيع على الاتفاقيات برعاية وحضور رئيس الجمهورية العربية السورية، أحمد الشرع، إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي المكثف.
سياق تاريخي وعودة العلاقات
تأتي هذه الشراكة الاقتصادية الواسعة في أعقاب فترة من الفتور الدبلوماسي الذي بدأ مع الأزمة السورية في عام 2011. وشهدت السنوات الأخيرة تحركات دبلوماسية حثيثة لإعادة دمج سوريا في محيطها العربي، والتي توجت بعودة سوريا لشغل مقعدها في جامعة الدول العربية في مايو 2023. وقد مهد هذا التقارب السياسي الطريق لعودة العلاقات الاقتصادية والاستثمارية، حيث تعتبر المملكة العربية السعودية لاعباً محورياً في دعم الاستقرار والتنمية في المنطقة، وتنظر إلى إعادة إعمار سوريا كفرصة استراتيجية وحيوية لتحقيق ذلك.
أبعاد الاتفاقيات وأهميتها الاستراتيجية
أكد القائم بالأعمال في سفارة الجمهورية العربية السورية لدى المملكة، محسن مهباش، في حوار مع «عكاظ»، أن هذه الاتفاقيات تعد “رافعة حقيقية للاقتصاد السوري” وتتويجاً لتضحيات الشعب السوري على مدى السنوات الماضية. وأوضح أن هذه المشاريع الضخمة جاءت كترجمة للدعم الاستراتيجي الذي تقدمه المملكة، وستشكل نقلة نوعية في مستوى الخدمات والبنية التحتية التي تعرضت لدمار ممنهج. وتشمل الاتفاقيات قطاعات حيوية ذات أولوية قصوى لعملية إعادة البناء، مثل الطيران، والطاقة، والاتصالات، والصناعة، والبنية التحتية، والمبادرات التنموية. وتهدف هذه المشاريع إلى إعادة تأهيل المرافق الأساسية وتوفير بيئة جاذبة للاستثمارات المستقبلية.
ضمانات استثمارية وبيئة تشريعية محفزة
رداً على سؤال حول كيفية حماية الاستثمارات السعودية، شدد مهباش على حرص الحكومة السورية على توفير بيئة استثمارية آمنة ومستقرة. وأشار إلى أن الجهات السورية تعمل على تحديث الإطار التشريعي الناظم للاستثمار لضمان الشفافية، وحماية حقوق المستثمرين، وتكافؤ الفرص. وأضاف: “جرى العمل على تبسيط الإجراءات وتسريع منح التراخيص عبر مبدأ النافذة الواحدة، بما يحدُّ من البيروقراطية”. كما أكد أن التوافق السياسي القائم بين قيادتي البلدين يمثل “مظلة داعمة” لاستقرار هذه الاستثمارات ونجاحها على المدى البعيد، مع توفير ضمانات تعاقدية وتحكيمية معترف بها لمعالجة أي نزاعات محتملة.
التأثير المتوقع على الصعيدين الإقليمي والدولي
على الصعيد المحلي، من المتوقع أن تسهم هذه الاستثمارات في تحريك عجلة الاقتصاد السوري، وخلق آلاف فرص العمل، وتحسين مستوى معيشة المواطنين. أما إقليمياً، فتعزز هذه الخطوة من دور المملكة كقوة اقتصادية وسياسية رائدة في المنطقة، وتفتح الباب أمام دول أخرى للمشاركة في جهود إعادة الإعمار، مما يدعم الاستقرار الإقليمي. دولياً، تمثل هذه الشراكة نموذجاً للحلول الإقليمية التي تركز على التنمية الاقتصادية كمدخل لتحقيق الاستقرار السياسي، وقد تشكل عاملاً مؤثراً في المشهد الجيوسياسي المتعلق بسوريا. إنها بداية لمرحلة جديدة لا تقتصر على إعادة البناء المادي فحسب، بل تمتد لتشمل إعادة بناء جسور الثقة والشراكة المستدامة بين البلدين الشقيقين.


