شهدت العاصمة السورية دمشق يوم السبت توقيع خمس اتفاقيات استراتيجية محورية بين شركات سعودية رائدة وجهات حكومية سورية، في خطوة تعكس تطوراً مهماً في مسار العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين الشقيقين. تأتي هذه الاتفاقيات في إطار زيارة رسمية لوفد سعودي رفيع المستوى، وتؤشر إلى مرحلة جديدة من التعاون المشترك تهدف إلى دعم التنمية وإعادة الإعمار في سوريا.
تضمنت الاتفاقيات المبرمة مذكرة تفاهم بين صندوق “إيلاف” السعودي والمؤسسة العامة للطيران المدني السوري، بهدف تطوير وتشغيل مطار حلب الدولي، الذي يُعد شرياناً حيوياً للنقل الجوي في المنطقة الشمالية من سوريا. كما تم الاتفاق على تأسيس شركة طيران مشتركة بين البلدين، مما يبشر بتعزيز الربط الجوي وتسهيل حركة الأفراد والبضائع.
إضافة إلى ذلك، شملت الاتفاقيات توقيع مذكرة مع الصندوق السيادي السوري لتطوير شركة الكابلات السورية، وهو ما يمثل دفعة قوية لقطاع الاتصالات والبنية التحتية الرقمية في سوريا. ولم يغفل التعاون قطاع الخدمات الأساسية، حيث تم إبرام اتفاقية لتطوير مشاريع تحلية ونقل المياه في سوريا، في خطوة حيوية لمعالجة التحديات المائية وتوفير احتياجات المواطنين.
أكد رئيس هيئة الاستثمار السورية أن هذه الاتفاقيات مع الجانب السعودي ستسهم بشكل فعال في تطوير البنية التحتية السورية، مشدداً على أن هذه المشاريع تهدف بالدرجة الأولى إلى خدمة المواطن السوري وتحسين جودة حياته، من خلال توفير فرص عمل جديدة وتحسين الخدمات الأساسية.
جاءت هذه التوقيعات الهامة خلال زيارة رسمية قام بها وفد سعودي رفيع المستوى إلى دمشق يوم السبت، برئاسة معالي وزير الاستثمار المهندس خالد الفالح. وتأتي هذه الزيارة في إطار مساعي المملكة العربية السعودية لتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري مع سوريا، ودفع الشراكات الثنائية نحو مرحلة التنفيذ العملي للمشاريع المشتركة.
السياق التاريخي والإقليمي للتعاون
تكتسب هذه الزيارة وتوقيع الاتفاقيات أهمية خاصة في ظل التطورات الإقليمية الأخيرة، والتي شهدت عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية بعد سنوات من القطيعة. فبعد عقد من التوترات والصراع الذي أثر بشكل كبير على البنية التحتية والاقتصاد السوري، تمثل هذه الخطوات إشارة واضحة إلى رغبة البلدين في طي صفحة الماضي وبناء مستقبل قائم على التعاون والشراكة. لطالما كانت العلاقات السعودية السورية تاريخياً ذات عمق استراتيجي، وشهدت فترات من التعاون المثمر في مختلف المجالات، وتأتي هذه المبادرات لإعادة إحياء هذا الدور المحوري في دعم الاستقرار والتنمية الإقليمية.
تُعد هذه الزيارة مرحلة متقدمة في الشراكة الاقتصادية بين المملكة وسورية، إذ تأتي استكمالاً لسلسلة من اللقاءات والمنتديات التي انعقدت خلال العام الماضي، والتي أسفرت عن توقيع عدد من الاتفاقيات لتشجيع الاستثمار المتبادل، وتفعيل آليات العمل المشترك في عدد من القطاعات الحيوية. هذه الجهود المتواصلة تؤكد على اللحمة الاستراتيجية بين البلدين في دعم التنمية الاقتصادية، وتوسيع الفرص الاستثمارية أمام القطاع الخاص السعودي والسوري على حد سواء، في إطار طموح كبير لتعميق التكامل الاقتصادي المشترك خلال المرحلة القادمة.
الآثار المتوقعة للتعاون الاقتصادي
على الصعيد المحلي السوري، يُتوقع أن تسهم هذه الاتفاقيات في تسريع وتيرة إعادة الإعمار، وتوفير فرص عمل للشباب، وتحسين مستوى الخدمات الأساسية مثل النقل والاتصالات والمياه، وهي قطاعات حيوية لتعافي الاقتصاد السوري. كما أنها تبعث برسالة إيجابية للمستثمرين الآخرين حول جدية سوريا في جذب الاستثمارات الأجنبية، وتوفير بيئة محفزة للاستثمار النوعي.
إقليمياً، تعزز هذه الشراكات دور المملكة العربية السعودية كلاعب رئيسي في استقرار المنطقة وإعادة بناء الدول المتضررة. كما أنها تدعم التوجه العربي العام نحو تعزيز التضامن الاقتصادي وتفعيل دور القطاع الخاص في تحقيق التنمية المستدامة، مما قد يفتح الباب أمام مزيد من التعاون العربي المشترك في مشاريع مماثلة، ويسهم في تقوية النسيج الاقتصادي العربي.
دولياً، يمكن أن يُنظر إلى هذه الاتفاقيات كخطوة نحو إعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي، وتخفيف حدة العزلة التي فرضت عليها. إنها تعكس تحولاً في الديناميكيات الجيوسياسية وتؤكد على أهمية الحلول الاقتصادية في دعم مسارات السلام والاستقرار، وتفتح آفاقاً جديدة للتعاون الدولي في جهود إعادة الإعمار.


