سجل الميزان التجاري للمملكة العربية السعودية فائضاً قياسياً بلغ 22.3 مليار ريال سعودي خلال شهر نوفمبر من عام 2025، محققاً نمواً سنوياً مذهلاً بنسبة 70.2%. هذا الإنجاز الاقتصادي يعكس قوة الأداء التجاري للمملكة ومرونة اقتصادها في مواجهة التحديات العالمية، ويؤكد على فعالية السياسات الاقتصادية المتبعة. ويأتي هذا الفائض بزيادة قدرها 9.2 مليار ريال مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، حيث بلغ الفائض حينها 13.1 مليار ريال، وذلك وفقاً للبيانات الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء في نشرتها للتجارة الدولية لشهر نوفمبر.
لم يقتصر النمو على المستوى السنوي فحسب، بل أظهرت البيانات أيضاً تحقيق الميزان التجاري نمواً شهرياً بنسبة 5.2%، بزيادة قدرها 1.1 مليار ريال مقارنة بشهر أكتوبر من العام نفسه، الذي سجل فائضاً بلغ حوالي 21.3 مليار ريال. يُعد الفائض التجاري مؤشراً حيوياً على صحة الاقتصاد الوطني، حيث يشير إلى أن قيمة الصادرات تتجاوز قيمة الواردات، مما يعزز احتياطيات النقد الأجنبي ويدعم استقرار العملة الوطنية، ويساهم في تعزيز الثقة الاقتصادية وجذب الاستثمارات.
تأتي هذه الأرقام الإيجابية في سياق التحولات الاقتصادية الكبرى التي تشهدها المملكة ضمن رؤية 2030 الطموحة، والتي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط. تاريخياً، اعتمد الاقتصاد السعودي بشكل كبير على صادرات النفط، ولكن السنوات الأخيرة شهدت جهوداً مكثفة لتعزيز القطاعات غير النفطية، مثل الصناعة التحويلية، والخدمات اللوجستية، والسياحة، بهدف بناء اقتصاد أكثر استدامة وتنافسية عالمياً. هذه النتائج تعكس نجاح هذه الجهود في تحقيق أهداف التنويع الاقتصادي وتعزيز مكانة المملكة كقوة اقتصادية صاعدة.
بلغ إجمالي حجم التجارة الدولية للمملكة خلال شهر نوفمبر حوالي 177.1 مليار ريال سعودي، توزعت بين صادرات سلعية بلغت قيمتها 99.7 مليار ريال، وواردات وصلت إلى 77.4 مليار ريال. هذا الحجم الكبير من التبادل التجاري يؤكد مكانة المملكة كلاعب رئيسي في حركة التجارة العالمية، ويعكس قدرتها على تلبية احتياجات السوق المحلية مع الحفاظ على قدرتها التصديرية وتعزيز حضورها في الأسواق الدولية.
سجلت الصادرات الوطنية غير النفطية حوالي 18.9 مليار ريال، لتشكل 19% من إجمالي الصادرات السلعية، محققة نمواً سنوياً بنسبة 4.7% بزيادة قدرها 851 مليون ريال مقارنة بـ 18.1 مليار ريال في الفترة المماثلة من عام 2024. كما شهدت إعادة التصدير ارتفاعاً ملحوظاً، حيث بلغت قيمتها 13.7 مليار ريال، بنسبة نمو سنوي بلغت 53.1%، وتمثل 13.8% من إجمالي الصادرات السلعية. هذه الأرقام تؤكد التقدم المحرز في تنويع قاعدة الصادرات السعودية بعيداً عن النفط، مما يعزز مرونة الاقتصاد ويقلل من تعرضه لتقلبات أسعار النفط العالمية، ويدعم خلق فرص عمل جديدة في القطاعات الواعدة.
في المقابل، تجاوزت قيمة الصادرات البترولية 67 مليار ريال، ممثلة 67.2% من إجمالي الصادرات السلعية، وحققت نمواً سنوياً بنسبة 5.4% بزيادة تجاوزت 3 مليارات ريال مقارنة بـ 63.6 مليار ريال في الفترة المماثلة من العام الماضي. على الرغم من جهود التنويع، لا تزال الصادرات النفطية تشكل ركيزة أساسية للاقتصاد السعودي، وتساهم بشكل كبير في تحقيق الفائض التجاري وتوفير الإيرادات اللازمة للمشاريع التنموية الكبرى.
على صعيد الشركاء التجاريين، تصدرت الدول الآسيوية قائمة المستوردين من المملكة بنسبة 75.2% وبقيمة 74.9 مليار ريال، تلتها الدول الأوروبية بنسبة 9.7% وبقيمة 9.7 مليار ريال، ثم الدول الأمريكية بنسبة 7.5% وبقيمة 7.5 مليار ريال. وحافظت الصين على صدارة الدول المستوردة لصادرات المملكة بنسبة 13.5% وبقيمة 13.5 مليار ريال. هذا التوزيع الجغرافي للشركاء التجاريين يعكس قوة العلاقات الاقتصادية للمملكة مع الاقتصادات الكبرى والناشئة، ويعزز من نفوذها الاقتصادي على الساحتين الإقليمية والدولية، ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون التجاري والاستثماري.
وفيما يخص الصادرات غير النفطية (بما في ذلك إعادة التصدير)، فقد عبرت من خلال 31 منفذاً جمركياً برياً وبحرياً وجوياً، بقيمة إجمالية بلغت 32.7 مليار ريال. وتصدر مطار الملك عبدالعزيز الدولي بجدة المنافذ بقيمة 5.6 مليار ريال، يليه ميناء جدة الإسلامي بقيمة 3.6 مليار ريال. هذه البيانات تسلط الضوء على البنية التحتية اللوجستية المتطورة للمملكة، والتي تعد عنصراً حاسماً في تسهيل حركة التجارة وتعزيز كفاءة سلاسل الإمداد، وهو ما يتماشى مع أهداف رؤية 2030 لتحويل المملكة إلى مركز لوجستي عالمي يربط القارات الثلاث.
يؤكد هذا الأداء القوي للميزان التجاري السعودي في نوفمبر 2025 على المسار الإيجابي الذي يسلكه الاقتصاد السعودي نحو تحقيق أهدافه التنموية الطموحة. إن النمو الملحوظ في الفائض، مدعوماً بتنوع الصادرات وزيادة كفاءة البنية التحتية، يبشر بمستقبل اقتصادي واعد للمملكة، ويعزز من مكانتها كقوة اقتصادية إقليمية وعالمية قادرة على تحقيق النمو المستدام والازدهار.


