
تُعد برامج توطين الوظائف (السعودة) ركيزة أساسية ضمن رؤية المملكة 2030، التي تهدف إلى بناء اقتصاد مزدهر ومجتمع حيوي من خلال تمكين الكفاءات الوطنية وتوسيع مشاركتها في سوق العمل. وفي هذا السياق، صدر قرار وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، المهندس أحمد الراجحي، قبل عامين، يقضي بقصر العمل على السعوديين في مهن حيوية مثل السكرتارية، والترجمة، وأمناء المخزون، وإدخال البيانات في جميع مناطق المملكة. يهدف هذا القرار إلى توفير بيئة عمل محفزة للمواطنين، وتعزيز مساهمتهم في التنمية الاقتصادية، وتقليل الاعتماد على العمالة الوافدة في قطاعات يمكن للسعوديين شغلها بكفاءة.
ومع دخول القرار حيز التنفيذ في السابع من شوال 1443هـ، الموافق 8 مايو 2022م، كان التوقع أن يشهد سوق العمل تحولاً جذرياً في هذه المهن. إلا أن الواقع الميداني يكشف استمرار سيطرة العمالة الوافدة على عدد من الأنشطة المشمولة بالتوطين. ففي العديد من المواقع، لا تزال المكتبات ومكاتب الترجمة والطباعة والخدمات تُدار بواسطة عمالة وافدة من جنسيات مختلفة، دون رقابة فعالة تُذكر. ويبرز هذا التحدي بوضوح في شارع العلم، الواقع عند المدخل الرئيسي لجامعة أم القرى بحي العزيزية في مكة المكرمة، حيث تنتشر عشرات المكاتب التي يديرها وافدون، حتى بات الشارع -كما يصفه البعض- «لا يتحدث العربية»، في إشارة إلى غياب الكوادر الوطنية.
ويتكرر المشهد ذاته في محافظة الطائف، وتحديداً في مكاتب الخدمات داخل أسواق سارة. هنا، تمارس العمالة الوافدة أعمال التصوير، والصيانة، وتقديم الخدمات المختلفة، لكنها -كما يروي مرتادو السوق- تختفي فور ملاحظة أي مركبة يُشتبه بانتمائها للجهات الرقابية. وتعود هذه العمالة إلى نشاطها بمجرد مغادرة فرق التفتيش، التي غالباً ما تصطدم بمحلات مغلقة مؤقتاً. ويشير المواطنون إلى أن العمالة الوافدة تعمل خارج أوقات الدوام الرسمي بشكل أكبر، وتتوخى الحذر خلال الفترات الأخرى خوفاً من المخالفات، مستفيدة من وجود عمالة داخل السوق ترصد دخول أي غرباء أو فرق تفتيش قبل وصولهم، مما يعكس تحدياً كبيراً في تطبيق الأنظمة.
إن أهمية توطين هذه المهن لا تقتصر على توفير فرص عمل للمواطنين فحسب، بل تمتد لتشمل جوانب استراتيجية واقتصادية واجتماعية أوسع. فمهن مثل السكرتارية وإدخال البيانات وأمناء المخزون تُعد عصب العمل الإداري واللوجستي في أي منشأة، وتوطينها يضمن كفاءة أعلى في إدارة المعلومات والوثائق، ويعزز الأمن السيبراني للمعلومات الحساسة. كما أن مهنة الترجمة ذات أهمية قصوى في التواصل الثقافي والعلمي والاقتصادي، وتوطينها يسهم في بناء قدرات وطنية متخصصة في هذا المجال الحيوي. على الصعيد الاقتصادي، يقلل التوطين من تحويلات العمالة الوافدة، ويدعم الاقتصاد المحلي، ويساهم في تنمية رأس المال البشري السعودي، مما يعزز من تنافسية المملكة على الصعيدين الإقليمي والدولي.
تتزايد المطالبات بتكثيف الجولات الرقابية على تلك المواقع لضبط التجاوزات وتطبيق التعليمات الصادرة عن الوزارة بصرامة. فغياب المتابعة الفعلية يضعف من فعالية القرارات الوزارية ويقوض جهود التوطين. يتطلب الأمر تضافر الجهود بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمواطنين لضمان الامتثال التام لهذه القرارات. كما أن توفير برامج تدريب وتأهيل مكثفة للشباب السعودي في هذه المهن يمكن أن يسد أي فجوات محتملة في المهارات، ويضمن جاهزية الكوادر الوطنية لتولي هذه الأدوار بكفاءة عالية. إن تحقيق أهداف التوطين يتطلب التزاماً راسخاً من جميع الأطراف، لضمان مستقبل مزدهر يعتمد على سواعد أبنائه وبناته.


