في ظل تصاعد حدة التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، وتحديداً المواجهة المفتوحة بين إسرائيل وإيران ووكلائها في المنطقة، عاد ملف "مفاعل ديمونة النووي" ليتصدر المشهد الأمني والسياسي. لم يعد الحديث عن استهداف هذه المنشأة الاستراتيجية مجرد تكهنات نظرية، بل تحول إلى سيناريو عسكري مطروح بقوة ضمن بنك الأهداف المحتملة، مما يثير تساؤلات مرعبة حول التداعيات الكارثية التي قد تلحق بالمنطقة بأسرها في حال وقوع المحظور.
ديمونة: من الحلم الفرنسي إلى الغموض الاستراتيجي
لفهم حجم المخاطر، يجب العودة إلى الجذور التاريخية للمنشأة. يقع "مركز النقب للأبحاث النووية" (مفاعل ديمونة) في قلب صحراء النقب، وقد بدأ إنشاؤه عام 1958 بمساعدة سرية من الحكومة الفرنسية، ودخل حيز التشغيل في أوائل الستينيات. يُعتبر المفاعل الركيزة الأساسية لسياسة "الغموض النووي" الإسرائيلية، حيث تشير تقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام وتقارير استخباراتية غربية إلى أن إسرائيل استخدمت هذا المفاعل لإنتاج البلوتونيوم اللازم لتصنيع ترسانة نووية تتراوح بين 80 إلى 400 رأس حربي، مما يجعله الهدف الاستراتيجي الأخطر في إسرائيل.
الشيخوخة التقنية: الخطر الكامن قبل القصف
قبل الحديث عن الصواريخ، يواجه المفاعل تحدياً ذاتياً يتمثل في تقادمه. العمر الافتراضي للمفاعلات من هذا الطراز لا يتجاوز عادة 40 عاماً، بينما يعمل ديمونة منذ أكثر من 60 عاماً. وقد كشفت تقارير علمية إسرائيلية، استندت إلى صور بالأقمار الصناعية وفحوصات بالموجات فوق الصوتية أجريت عام 2015، عن وجود أكثر من 1500 عيب وتشققات دقيقة في قلب المفاعل المصنوع من الألومنيوم والخرسانة. هذه "الشيخوخة الهيكلية" تعني أن قدرة المفاعل على الصمود أمام أي هزة أرضية قوية أو موجة انفجارية قريبة قد تكون أقل بكثير مما هو معلن، مما يضاعف احتمالية حدوث تسرب إشعاعي حتى دون إصابة مباشرة لقلب المفاعل.
سيناريوهات الاستهداف وتأثير الرياح
في حال تعرض المفاعل لهجوم صاروخي دقيق أو هجوم بمسيرات انتحارية، فإن الخطر لا يكمن فقط في تدمير القبة الخرسانية، بل في استهداف مرافق التبريد أو مخازن النفايات النووية والوقود المستنفد. وهنا تلعب الجغرافيا وعوامل الطقس الدور الحاسم في تحديد الضحايا:
- السيناريو الغربي والشمالي: إذا كانت الرياح تتجه غرباً أو شمالاً، فإن السحابة الإشعاعية ستغطي مساحات واسعة من الضفة الغربية، بما في ذلك الخليل ورام الله والقدس، وصولاً إلى السهل الساحلي وتل أبيب، مما يعني كارثة بيئية وإنسانية تطال الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء.
- السيناريو الشرقي: نظراً لقرب المفاعل من الحدود الأردنية (أقل من 30 كم)، فإن أي تسرب مع رياح غربية سيجعل الأردن المتضرر الأكبر، حيث قد تصل الإشعاعات إلى محافظة الطفيلة والكرك وربما العاصمة عمان خلال ساعات قليلة.
- السيناريو الجنوبي: قد تمتد الملوثات لتصل إلى صحراء النقب الجنوبي وشبه جزيرة سيناء المصرية وشمال المملكة العربية السعودية.
ما بعد الكارثة: تداعيات جيوسياسية
إن استهداف منشأة نووية لا يعد مجرد عمل عسكري تقليدي، بل هو كسر لأحد أكبر المحرمات الدولية. من الناحية الاستراتيجية، قد يدفع هذا السيناريو إسرائيل إلى تفعيل ما يُعرف بـ "خيار شمشون" أو الرد العسكري غير المسبوق، مما يجر المنطقة إلى حرب شاملة لا تبقي ولا تذر. بالإضافة إلى ذلك، فإن التلوث الإشعاعي سيجعل مناطق واسعة في الشرق الأوسط غير صالحة للسكن والزراعة لعقود، مما سيؤدي إلى موجات نزوح جماعي وانهيار اقتصادي يتجاوز حدود الدولة التي وقع فيها الانفجار.


