هجوم أمريكي سري بطائرة مدنية مزيفة: تفاصيل صادمة ومخاوف من “جريمة حرب”
كشفت صحيفة «نيويورك تايمز»، نقلاً عن مسؤولين مطلعين، تفاصيل صادمة حول هجوم سري نفذته وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون» في سبتمبر الماضي. استخدمت القوات الأمريكية طائرة سرّية جرى طلاؤها لتبدو كطائرة مدنية، وذلك خلال أول هجوم لها ضد قارب قالت إدارة الرئيس دونالد ترمب إنه كان يهرّب المخدرات، ما أسفر عن مقتل 11 شخصاً. وقد أخفت الطائرة ذخيرتها داخل هيكلها، بدلاً من تثبيتها بشكل ظاهر تحت الأجنحة، في خطوة عززت من طابعها غير العسكري، مما أثار تساؤلات خطيرة حول شرعية هذه العمليات وتوافقها مع القانون الدولي.
السياق العام لعمليات مكافحة المخدرات الأمريكية
تأتي هذه الواقعة ضمن سياق أوسع لجهود الولايات المتحدة في مكافحة تهريب المخدرات، خاصة في منطقة البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ. لطالما اعتبرت واشنطن هذه المناطق ممرات حيوية لشبكات تهريب المخدرات الدولية. وقد كثفت إدارة ترمب، بشكل خاص، من عملياتها لمكافحة المخدرات، معلنةً أن الولايات المتحدة تخوض “حرباً” ضد عصابات المخدرات. هذه الاستراتيجية، التي تضمنت نشر سفن حربية وطائرات عسكرية إضافية، هدفت إلى تعطيل تدفق المخدرات إلى الأراضي الأمريكية، لكنها في الوقت نفسه أثارت جدلاً حول حدود التدخل العسكري في قضايا الجريمة المنظمة وتطبيق قوانين النزاع المسلح على مثل هذه العمليات.
تحذيرات قانونية من “جريمة حرب” و”الغدر”
أثار استخدام طائرة بواجهة مدنية مخاوف قانونية عميقة لدى خبراء القانون الدولي. يرون أن هذا الأسلوب يحمل دلالات خطيرة، خصوصاً أن الإدارة الأمريكية بررت الضربات القاتلة على القوارب باعتبارها عمليات قانونية في إطار نزاع مسلح. ومع ذلك، فإن قوانين النزاعات المسلحة، وتحديداً البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، تحظر صراحة تنكّر المقاتلين بصفة مدنية لخداع الخصم ودفعه إلى خفض حذره قبل مهاجمته. يُصنف هذا التكتيك في العرف العسكري كـ«الغدر» (perfidy)، وهو يعتبر جريمة حرب. يهدف هذا الحظر إلى حماية المدنيين والحفاظ على مبدأ التمييز بين المقاتلين والمدنيين، وهو حجر الزاوية في القانون الإنساني الدولي. إن انتهاك هذا المبدأ قد يؤدي إلى تآكل الثقة في علامات الحماية الدولية ويعرض المدنيين للخطر.
تفاصيل صادمة: القارب يغير مساره والناجون يلوحون
وفقاً للصحيفة، أفاد مسؤولون اطلعوا على تسجيلات كاميرات المراقبة الخاصة بالهجوم، أو جرى إطلاعهم عليها، أن الطائرة حلّقت على ارتفاع منخفض مكّن ركاب القارب من رؤيتها بوضوح. وأظهرت التسجيلات أن القارب غيّر مساره وعاد باتجاه فنزويلا فور مشاهدة الطائرة، قبل أن يتعرض للضربة الأولى. الأكثر إثارة للصدمة هو ما بيّنته التسجيلات لاحقاً، حيث تمكّن اثنان من الناجين من الهجوم الأولي من الصعود إلى جزء مقلوب من هيكل القارب، وراحا يلوّحان للطائرة، قبل أن يُقتلا في غارة لاحقة أغرقت الحطام بالكامل. لا يزال من غير الواضح ما إذا كان الناجيان يدركان أن الانفجار الذي دمّر زورقهما نجم عن هجوم صاروخي، مما يضيف طبقة أخرى من التعقيد الأخلاقي والقانوني للحادثة.
تداعيات الهجوم وتأثيره المحتمل
إن الكشف عن هذا الهجوم يثير تساؤلات جدية حول الشفافية والمساءلة في العمليات العسكرية الأمريكية، ويحمل تداعيات محتملة على عدة مستويات. على الصعيد الإقليمي، قد يؤثر هذا التكتيك على علاقات الولايات المتحدة مع دول أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، ويزيد من الشكوك حول نواياها في المنطقة. دول مثل فنزويلا، التي كانت وجهة القارب، قد تستغل هذه المعلومات لتعزيز خطابها المناهض للولايات المتحدة. دولياً، يمكن أن يضع هذا الحادث سابقة خطيرة، ويشجع دولاً أخرى على استخدام تكتيكات مماثلة، مما يقوض مبادئ القانون الإنساني الدولي ويجعل التمييز بين المدنيين والمقاتلين أكثر صعوبة في مناطق النزاع. كما أن سمعة الولايات المتحدة كدولة ملتزمة بالقانون الدولي قد تتأثر، مما قد يؤدي إلى انتقادات من منظمات حقوق الإنسان والمجتمع الدولي.
تغيير التكتيكات العسكرية بعد الواقعة
منذ تلك الواقعة، لجأ الجيش الأمريكي إلى استخدام طائرات عسكرية معروفة في استهداف الزوارق، من بينها الطائرات المسيّرة من طراز MQ-9 ريبر، رغم عدم وضوح ما إذا كانت تحلّق على ارتفاع يسمح برؤيتها من قبل الأهداف. وفي هجوم آخر وقع في أكتوبر، نجا شخصان بعد أن تمكنا من السباحة بعيداً عن حطام زورقهما، قبل استهدافه مجدداً. وأعلن الجيش لاحقاً إنقاذهما وإعادتهما إلى بلديهما، كولومبيا والإكوادور. هذا التغيير في التكتيكات قد يشير إلى إدراك البنتاغون للمخاطر القانونية والأخلاقية المرتبطة باستخدام الطائرات المتنكرة، أو قد يكون محاولة لتجنب المزيد من الجدل في المستقبل.
التمييز واجب لا خيار في القانون العسكري
تؤكد الأدلة العسكرية الأمريكية المتعلقة بقانون الحرب على أن «الغدر» يشمل تظاهر المقاتلين بصفة مدنية، بما يدفع الخصم إلى إهمال اتخاذ الاحتياطات اللازمة. كما ينص دليل البحرية الأمريكية على أن المقاتلين الشرعيين في البحر ملزمون باستخدام القوة «ضمن حدود الشرف العسكري»، مع التأكيد على ضرورة تمييز القوات العسكرية بوضوح عن السكان المدنيين، وهو التزام يقع على عاتق القادة العسكريين. هذه المبادئ ليست مجرد خيارات تكتيكية، بل هي واجبات قانونية وأخلاقية أساسية تهدف إلى حماية الأرواح وتقليل المعاناة في أوقات النزاع، والحفاظ على كرامة الحرب نفسها.


