تصاعد التهديدات الأمنية في السويد وسط توترات جيوسياسية
أطلقت الشرطة السويدية تحذيرات شديدة اللهجة بشأن تصاعد التهديدات الأمنية في السويد، والتي تستهدف بشكل مباشر المصالح الأمريكية والإسرائيلية، بالإضافة إلى المؤسسات التابعة للمجتمع اليهودي داخل البلاد. تأتي هذه التطورات المقلقة في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً الصراع الدائر والمواجهات المستمرة مع إيران، مما ينذر بانتقال ارتدادات هذا الصراع إلى الساحة الأوروبية وتهديد استقرارها الداخلي.
الخلفية التاريخية والسياق الأمني المتوتر
لفهم طبيعة هذه التهديدات، يجب النظر إلى التحولات الجذرية التي شهدتها السويد مؤخراً. فقد تخلت ستوكهولم عن حيادها التاريخي وانضمت رسمياً إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) في عام 2024، مما جعلها لاعباً أكثر انخراطاً في التحالفات الغربية. علاوة على ذلك، رفعت السويد مستوى التهديد الإرهابي إلى الدرجة الرابعة (من أصل خمسة) في أواخر عام 2023، وذلك عقب سلسلة من حوادث حرق نسخ من القرآن الكريم التي أثارت غضباً واسعاً. هذا المناخ الأمني المشحون جعل البلاد بيئة خصبة لمحاولات استغلال الثغرات الأمنية من قبل جهات خارجية تسعى لتصفية حساباتها.
استغلال عصابات الجريمة المنظمة: شبكة “فوكستروت”
في تطور خطير، كشف رئيس وحدة التحقيق بالشرطة السويدية، نيكلاس أندرسون، أن التحقيقات الجارية أظهرت مؤشرات واضحة وموثوقة على وجود تهديدات مرتبطة بالأحداث في إيران. وأشار إلى أن السلطات الأمنية تتخذ إجراءات احترازية عاجلة لتشديد الحراسة وتعزيز الحماية حول السفارات والمؤسسات المستهدفة.
وما يزيد من تعقيد المشهد هو لجوء أجهزة استخبارات تابعة لدول أجنبية إلى تكتيكات غير تقليدية، أبرزها استغلال شبكات الجريمة المنظمة المحلية لتنفيذ هجمات بالوكالة. وقد برز هذا التكتيك بوضوح بعد الانفجار الذي وقع بالقرب من السفارة الأمريكية في العاصمة النرويجية أوسلو. حيث تحقق السلطات في احتمالية ارتباط هذا الهجوم بشبكة إجرامية سويدية ذائعة الصيت تُعرف باسم “فوكستروت” (Foxtrot)، والتي يُعتقد أنها تتلقى توجيهات وتمويلاً من جهات حكومية خارجية.
وأكد أندرسون أن النظام الإيراني قد يستخدم هذه الشبكات الإجرامية العابرة للحدود لتنفيذ هجمات عنيفة، وهو ما دفع الشرطة السويدية إلى تكثيف مراقبتها لعمليات التكليف بالعنف عبر الإنترنت، أو ما بات يُعرف مصطلحياً بـ “العنف كخدمة” (Violence as a Service). هذا النمط الجديد يعتمد على تجنيد شباب أو أفراد عصابات عبر منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة المشفرة لتنفيذ عمليات اغتيال أو تخريب مقابل مبالغ مالية، مما يمنح الجهات المحرضة مساحة لإنكار مسؤوليتها المباشرة.
استهداف المعارضين وتأثيرات الأزمة إقليمياً ودولياً
إلى جانب المصالح الدبلوماسية، تتابع الشرطة السويدية تحقيقات منفصلة وحساسة تتعلق بتهديدات مباشرة موجهة لمعارضين إيرانيين يقيمون على الأراضي السويدية. وتعتبر الدول الإسكندنافية ملاذاً آمناً للعديد من النشطاء والمعارضين السياسيين، مما يجعلهم أهدافاً دائمة لمحاولات الترهيب أو التصفية من قبل الأنظمة القمعية.
إن أهمية هذا الحدث تتجاوز الحدود المحلية للسويد؛ فعلى الصعيد المحلي، يعيش المجتمع اليهودي حالة من الترقب والحذر، مما يستدعي تأمين المعابد والمدارس بشكل غير مسبوق. وعلى الصعيد الإقليمي، يعكس التنسيق الأمني بين السويد والنرويج والدنمارك إدراكاً أوروبياً لحجم الخطر العابر للحدود. أما دولياً، فإن هذه التطورات قد تؤدي إلى أزمات دبلوماسية حادة بين الدول الأوروبية وطهران، وتدفع الاتحاد الأوروبي نحو اتخاذ سياسات وعقوبات أكثر صرامة.
وفي ختام بياناتها، وجهت السلطات السويدية نداءً عاجلاً لجميع الأفراد والجهات التي تشعر بالخطر أو التهديد بضرورة التواصل الفوري مع الشرطة. وشدد المسؤولون على أن الاستماع لتجارب المستهدفين وفهم مخاوفهم يمثل حجر الزاوية في استراتيجية حماية المجتمع الاستباقية وإحباط أي مخططات إرهابية قبل وقوعها.


