بعد صافرة النهاية التي أعلنت تتويج السنغال بلقب كأس أمم أفريقيا، لم تُغلق فصول القصة بالكامل. فبعيدًا عن بهجة الفوز، لا يزال الجدل محتدمًا داخل أروقة الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) حول عقوبات كبرى تم تفاديها في اللحظة الأخيرة، وأخرى لا تزال مطروحة على الطاولة بعد مشهد الانسحاب المثير للجدل أمام المنتخب المغربي. هذا الحدث لم يضع السنغال تحت المجهر فحسب، بل أثار تساؤلات حول معايير اللعب النظيف ومستقبل الانضباط في كرة القدم الأفريقية.
وفقًا للوائح الصارمة لـ «الكاف»، كان انسحاب المنتخب السنغالي من أرضية الملعب في الدقائق الأخيرة من المباراة النهائية كفيلًا بإطلاق سلسلة من العقوبات التلقائية والقاسية. هذه العقوبات كانت لتشمل خسارة اعتبارية بنتيجة 0-3، وسحب اللقب الذي توج به الفريق، بالإضافة إلى غرامات مالية ضخمة. وفي سيناريو أشد قسوة، كان من الممكن أن يصل الأمر إلى حرمان المنتخب السنغالي من المشاركة في نسختين مقبلتين من كأس أمم أفريقيا، مما كان سيشكل ضربة قاصمة لكرة القدم السنغالية.
لكن هذه السيناريوهات الكارثية أُلغيت بالكامل بعدما عاد اللاعبون إلى الملعب واستُكملت المباراة، في لحظة حبست فيها الأنفاس وشهدت تدخلات حاسمة.
ماني يُسقط العقوبات الكبرى.. لكن الملف لم يُغلق بعد
تدخل القائد الملهم ساديو ماني في اللحظة الحاسمة كان بمثابة طوق النجاة للسنغال، حيث أنقذها من أسوأ عقوبة ممكنة في تاريخ النهائيات القارية. فعودة اللاعبين إلى أرض الملعب أبطلت مفعول «الانسحاب الرسمي» قانونيًا، وحرمت «الكاف» من تطبيق العقوبات القصوى المنصوص عليها في لوائحه. إلا أن هذا التدخل، ورغم ثقله وأهميته، لم يُنهِ القضية برمتها، بل ترك الباب مفتوحًا أمام مساءلات أخرى.
تُعد كأس أمم أفريقيا، التي تُقام كل عامين، الحدث الكروي الأبرز في القارة السمراء، وهي بطولة لا تقتصر أهميتها على الجانب الرياضي فحسب، بل تمتد لتشمل الجوانب الاجتماعية والثقافية، حيث تمثل مصدر فخر وطني وتجمع الشعوب الأفريقية تحت راية كرة القدم. أي حادث يمس بنزاهة هذه البطولة أو يخل بقواعد اللعب النظيف يُنظر إليه بخطورة بالغة، ليس فقط من قبل الاتحادات الوطنية، بل من قبل الجماهير الأفريقية والعالمية على حد سواء.
وبحسب تسريبات متطابقة من داخل الاتحاد الأفريقي، فإن اللجنة الانضباطية تميّز الآن بين عقوبات سقطت تلقائيًا وأخرى مرتبطة بالسلوك والانضباط، ولا تزال قيد الدراسة والتحقيق. أبرز هذه العقوبات المحتملة تشمل:
- مسؤولية المدرب بابي ثياو: يُصنف إصدار أمر مباشر بالانسحاب ضمن «السلوك غير الرياضي الجسيم»، وقد يؤدي إلى إيقاف طويل للمدرب ومنعه من ممارسة أي نشاط كروي لفترة زمنية محددة.
- غرامات مالية على الاتحاد السنغالي: حتى دون انسحاب رسمي، فإن تعطيل نهائي قاري وتوقف اللعب لأكثر من 10 دقائق يُعد مخالفة جسيمة للوائح التنظيمية، مما يستوجب فرض غرامات مالية على الاتحاد السنغالي.
- عقوبات فردية محتملة: تقارير الحكام ومراقبي المباراة ترصد أسماء لاعبين شاركوا في التحريض على مغادرة الملعب، ما يفتح الباب أمام إيقافات أو إنذارات مشددة بحقهم.
- مباريات دون جمهور: أحد السيناريوهات المطروحة كعقوبة رادعة تمس صورة المنتخب السنغالي دون المساس بنتيجة النهائي، وهي حرمان الفريق من اللعب أمام جماهيره في مباريات قادمة.
«اللعب النظيف» في مرمى الانتقاد وتأثيره على صورة الكرة الأفريقية
صعّد مدرب المنتخب المغربي، وليد الركراكي، الجدل خارج الإطار القانوني، واعتبر ما حدث «سابقة خطيرة» تسيء لصورة الكرة الأفريقية ككل. وشدد الركراكي على أن الاحتجاج يجب أن يتم عبر القنوات القانونية والرياضية المعتادة، لا عبر الانسحاب والضغط الجماهيري، مؤكدًا على أهمية الحفاظ على قيم اللعب النظيف والروح الرياضية التي تُعد حجر الزاوية في أي منافسة كروية.
إن مثل هذه الحوادث لا تؤثر فقط على سمعة الفرق المعنية، بل تمتد لتشوه صورة كرة القدم الأفريقية على الساحة الدولية. فالاتحاد الأفريقي لكرة القدم، بصفته الهيئة الحاكمة، يقع على عاتقه مسؤولية كبيرة في الحفاظ على نزاهة المسابقات وتعزيز قيم الانضباط والاحترافية. أي تساهل في تطبيق اللوائح قد يفتح الباب أمام تكرار مثل هذه السلوكيات، مما يؤثر سلبًا على استقطاب الاستثمارات والرعايات، ويقلل من مصداقية البطولات الأفريقية.
وبينما خرجت السنغال بالكأس، ونجت من العقوبة القاتلة بفضل تدخل قائدها، إلا أنها لم تخرج من دائرة المساءلة. وإن كانت العقوبات الكبرى قد أُلغيت، فإن العقاب لم يُلغَ بالكامل، والقرار النهائي بات مسألة وقت، لا أكثر. في «الكاف»، تذهب تسريبات مسؤوليه إلى أنه لا يُنسى ما حدث بسهولة، حتى بعد منحه السنغال الذهب، مما يؤكد على أن الاتحاد عازم على إرساء مبادئ الانضباط والعدالة لضمان مستقبل مشرق لكرة القدم الأفريقية.


