في لحظة سياسية مفصلية تشهدها اليمن، أعاد قرار رئاسي اسم الدكتور شائع الزنداني إلى واجهة المشهد، باعتباره أحد أبرز الوجوه الدبلوماسية التي راهنت عليها الدولة في مرحلة شديدة التعقيد، داخليًا وخارجيًا. جاء هذا التكليف الرسمي بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة ليضع على عاتقه مسؤولية قيادة البلاد نحو الاستقرار في ظل تحديات غير مسبوقة.
القرار الذي أصدره رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، جاء عقب استقالة رئيس الوزراء السابق سالم بن بريك، ليفتح الباب أمام شخصية تمتلك خبرة دبلوماسية تمتد لأكثر من ثلاثة عقود. يأتي هذا التعيين في وقت تبحث فيه اليمن عن توازن سياسي ودبلوماسي دقيق، قادر على التعامل مع الأزمات المتراكمة ومعالجة تداعيات الصراع المستمر.
الدكتور شائع الزنداني ليس اسمًا طارئًا على دوائر القرار اليمني، فقد شغل قبل تعيينه منصب وزير الخارجية وشؤون المغتربين منذ مارس 2024، وقاد خلاله ملفات شائكة تتعلق بالعلاقات الإقليمية والدولية، وتمثيل اليمن في المنظمات الكبرى. هذه الخلفية تمنحه فهمًا عميقًا لديناميكيات السياسة الخارجية وتحدياتها.
وُلد الزنداني في مديرية جحاف بمحافظة الضالع، ويحمل دكتوراه فلسفة في القانون، إلى جانب بكالوريوس حقوق، ودكتوراه فخرية في العلوم الدبلوماسية. هذا المزيج النادر بين التكوين الأكاديمي المتين والخبرة العملية الطويلة يؤهله لقيادة دفة الحكومة في هذه المرحلة الحرجة.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، تنقّل الدكتور شائع الزنداني بين عواصم القرار العالمية، فمثّل اليمن سفيرًا لدى المملكة العربية السعودية ومندوبًا دائمًا في منظمة التعاون الإسلامي، وسفيرًا لدى بريطانيا، وإيطاليا، والأردن، إضافة إلى تمثيله اليمن في الأمم المتحدة بجنيف ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو). هذه المسيرة الحافلة أكسبته شبكة علاقات دولية واسعة وقدرة على التفاوض وإدارة الأزمات.
كما شارك الزنداني في محطات مفصلية من تاريخ اليمن الحديث، من بينها محادثات الوحدة اليمنية عام 1990، وترؤسه وفد اليمن في اجتماع وزراء الخارجية العرب يوم إعلان الوحدة، إلى جانب عضويته في لجان سياسية واقتصادية عليا. هذه المشاركات التاريخية تبرز عمق تجربته السياسية وقدرته على التعامل مع القضايا الوطنية الكبرى.
السياق العام والتحديات الراهنة:
يأتي تعيين الزنداني في ظل وضع يمني معقد للغاية. فمنذ عام 2014، تشهد اليمن صراعًا مدمرًا أدى إلى أسوأ أزمة إنسانية في العالم، وتسبب في انقسام سياسي واقتصادي عميق. تواجه الحكومة الشرعية، ممثلة بمجلس القيادة الرئاسي الذي تشكل في أبريل 2022، تحديات هائلة في توحيد الصفوف، وإدارة المناطق المحررة، ومواجهة التمرد الحوثي الذي يسيطر على العاصمة صنعاء وأجزاء واسعة من الشمال. كما أن جهود السلام الإقليمية والدولية غالبًا ما تصطدم بعقبات متعددة، مما يجعل مهمة أي رئيس وزراء في غاية الصعوبة.
أهمية التعيين وتأثيره المتوقع:
يُنظر إلى تعيين الدكتور شائع الزنداني على أنه رهان على الدبلوماسية الهادئة والخبرة الطويلة في مرحلة تتطلب إدارة دقيقة للأزمات. على الصعيد المحلي، يُتوقع أن يسعى الزنداني إلى تعزيز التماسك الحكومي، وتحسين الخدمات الأساسية، والعمل على استقرار الاقتصاد المنهك. أما إقليميًا ودوليًا، فإن خبرته في وزارة الخارجية وسفارات اليمن في عواصم القرار الكبرى ستكون حاسمة في تعزيز مكانة اليمن على الساحة الدولية، وتفعيل جهود السلام، وتنسيق الدعم الإنساني والتنموي. يُعول عليه في بناء جسور الثقة مع الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة، والعمل على إيجاد حلول مستدامة للصراع، مما قد يمهد الطريق لمستقبل أكثر استقرارًا لليمن والمنطقة.


