spot_img

ذات صلة

الشورى: جامعات أم القرى وجازان.. استثمار الميز النسبية والقوة الناعمة

في خطوة تعكس الدور المحوري لمجلس الشورى في تعزيز التنمية الشاملة بالمملكة العربية السعودية، أصدر المجلس خلال جلسته العادية السابعة عشرة من أعمال السنة الثانية للدورة التاسعة، برئاسة رئيس المجلس الدكتور عبدالله محمد إبراهيم آل الشيخ، قرارات وتوصيات هامة تستهدف الارتقاء بالقطاعات الحيوية، لا سيما التعليم العالي والمشاريع البيئية الكبرى. تأتي هذه التوجيهات في سياق رؤية المملكة 2030 الطموحة، التي تضع بناء اقتصاد معرفي مستدام وتنمية القدرات البشرية في صميم أولوياتها، مؤكدة على أهمية تفعيل دور المؤسسات التعليمية في تحقيق الأهداف الوطنية.

تسريع وتيرة العمل في مؤسسة حديقة الأمير محمد بن سلمان: ركيزة للتنمية المستدامة

في مستهل الجلسة، طالب مجلس الشورى مؤسسة حديقة الأمير محمد بن سلمان بالإسراع في إعداد خطتها الاستراتيجية الشاملة. وتضمنت التوصيات ضرورة إعداد دراسات بيئية دقيقة لمنطقة مشروع الحديقة، بهدف تحديد المشاريع الأكثر ملاءمة لطبيعة الموقع الذي يتميز بحساسية بيئية فريدة. هذه الخطوة تؤكد على التزام المملكة بالتنمية المستدامة والحفاظ على البيئة، وتأتي الحديقة كجزء أساسي من مبادرة الرياض الخضراء، التي تهدف إلى تحويل العاصمة إلى واحدة من أكثر المدن استدامة وصديقة للبيئة في العالم، مما يعزز جودة الحياة لسكانها وزوارها. كما دعا المجلس المؤسسة إلى تعزيز التنسيق والتكامل مع برنامج الرياض الخضراء والجهات ذات العلاقة، لتبادل الخبرات والاستفادة من أفضل الممارسات العالمية في تصميم وتطوير المساحات الخضراء الحضرية، مما يضمن تحقيق أقصى استفادة بيئية واجتماعية واقتصادية من هذا المشروع الحيوي الذي يعد إضافة نوعية للمشهد الحضري في المملكة.

جامعة جازان: دعوة لتعزيز الميز النسبية وتطوير الأداء الأكاديمي والبحثي

انتقل المجلس بعد ذلك لمناقشة التقرير السنوي لجامعة جازان، حيث أبدى الأعضاء عدداً من الملحوظات والآراء البناءة التي تهدف إلى الارتقاء بمستوى الجامعة ودورها التنموي في المنطقة. تقع جامعة جازان في منطقة ذات إمكانات اقتصادية وجغرافية فريدة، تشمل الزراعة الاستوائية، والثروات البحرية، وموقعها الاستراتيجي على ساحل البحر الأحمر وقربها من الحدود الجنوبية للمملكة. لذا، فإن تفعيل دورها الأكاديمي والبحثي يعد ركيزة أساسية لتنمية المنطقة، وتوفير الكفاءات اللازمة لدفع عجلة التنمية المحلية والإقليمية.

  • استقطاب وتوطين الكفاءات الأكاديمية: دعا عضو المجلس الدكتور بندر البقمي الجامعة إلى تبني خطة فاعلة لاستقطاب وتوطين الكفاءات الأكاديمية المتميزة. إن جذب الكفاءات وتوفير بيئة جاذبة لها يسهم بشكل مباشر في تعزيز كفاءة الأداء المؤسسي للجامعة، ويرفد جودة المخرجات التعليمية والإدارية، مما ينعكس إيجاباً على مستوى التعليم والبحث العلمي، ويضمن مواكبة الجامعة لأحدث التطورات العالمية في مختلف التخصصات.
  • إعادة هيكلة الفروع وتفعيل الميز النسبية: طالب عضو المجلس الدكتور حسن الحازمي جامعة جازان بالعمل على إعادة هيكلة الفروع التي تتطلب مزيداً من الدراسة، وفق نموذج تشغيلي جديد وتخصصات نوعية تراعي الميز النسبية لكل محافظة في منطقة جازان. هذا التوجه يضمن أن تكون مخرجات الجامعة متوائمة مع احتياجات سوق العمل المحلي والإقليمي، ويستفيد من الموارد الطبيعية والبشرية للمنطقة، مثل التخصصات في الزراعة الاستوائية، أو علوم البحار، أو حتى الدراسات الحدودية والاستراتيجية، مما يعزز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة.
  • تأسيس الكراسي البحثية: محركات للابتكار والتنمية: تطلع عضو المجلس الدكتور إبراهيم الحديثي إلى تأسيس كراسي بحثية في جامعة جازان، لما لها من إسهامات فاعلة في تحقيق الأهداف الاستراتيجية للجامعة على صعيد البحث العلمي والتنمية المجتمعية. الكراسي البحثية تعد محركات للابتكار، وتجذب التمويل، وتخلق شراكات بين الجامعات والقطاعات الأخرى، مما يعزز مكانة الجامعة كمركز إقليمي للبحث والتطوير، ويسهم في حل التحديات المحلية والإقليمية. وطالب بوضع خطط إدارية وتسويقية لإنشاء كراسي علمية في تخصصات الجامعة المختلفة، بما يضمن استدامتها وفاعليتها.
  • تعزيز الشراكات والتحول لنظام الجامعات الجديد: طالبت عضو المجلس الدكتورة عائشة عريشي جامعة جازان بتعزيز الشراكات المجتمعية والدولية، معتبرة إياها أحد التحديات المؤثرة على ضعف التعاون مع القطاعات الصناعية المحلية والمؤسسات الأكاديمية الدولية. ودعت لإيجاد الآليات التي تسهم في تأسيس الشراكات أو المشاركة فيها، وتطلّعت لتفعيل المادة الثانية عشرة من نظام الجامعات الجديد، الذي يمنح الجامعات مرونة أكبر في تأسيس الشراكات وفقاً لإجراءات نظامية. أكدت الدكتورة عريشي أهمية رفع جاهزية الجامعة للتحول إلى نظام الجامعات الجديد، الذي يمثل ضرورة وليس خياراً في ظل ما تملكه الجامعة من بنية تحتية وكفاءات أكاديمية وإدارية، مشيرة إلى أن التقرير خلا من إبراز جهود الجامعة نحو هذا التحول. يهدف نظام الجامعات الجديد إلى تعزيز استقلالية الجامعات، وتمكينها من تحقيق الاستدامة المالية، وربط مخرجاتها باحتياجات التنمية الوطنية، مما يفتح آفاقاً جديدة للجامعة لتكون أكثر فاعلية وتأثيراً.

جامعة أم القرى: بوابة حضارية عالمية من مكة المكرمة وتعزيز القوة الناعمة

ناقش المجلس أيضاً التقرير السنوي لجامعة أم القرى، التي تتمتع بخصوصية فريدة كونها تقع في مكة المكرمة، قلب العالم الإسلامي. هذه الخصوصية تمنحها رمزية دينية وثقافية تتجاوز الحدود الجغرافية، وتجعلها منارة للعلم والمعرفة للمسلمين حول العالم، ومحوراً مهماً في نشر قيم الاعتدال والتسامح التي تتبناها المملكة.

  • تشجيع التعاون البحثي عالي التأثير: طالبت عضو المجلس الدكتورة غادة الهذلي جامعة أم القرى بتشجيع التعاون البحثي المنظم مع باحثين من جامعات المملكة الأخرى، وباستقطاب باحثين ذوي سجل علمي مرتفع التأثير والاستشهاد، خاصة من خلال معهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج والعمرة. هذا التوجه يسهم في نشر مخرجات المعهد في دوريات علمية ذات معامل تأثير عالٍ، مما يعزز مكانة الجامعة البحثية ويقدم حلولاً مبتكرة للتحديات المتعلقة بالحج والعمرة، وخدمة ضيوف الرحمن، ويسهم في إثراء المعرفة الإنسانية في هذا المجال الحيوي.
  • تحويل خصوصية مكة لمنظومة جذب وتأثير عالمي: عدّ عضو المجلس الدكتور عبدالله عمر النجار جامعة أم القرى «ذات رمزية دينية وثقافية» تتجاوز الحدود الجغرافية. وأشار في مداخلة له على تقرير الجامعة، إلى أن استقطاب الطلبة الدوليين (ليس فقط طلبة المنح) لا يُعد نشاطاً تعليمياً تقليدياً، بل يمثل خياراً استراتيجياً لبناء وتعزيز القوة الناعمة التعليمية والثقافية للمملكة. هذا المسعى يمد جسوراً إنسانية ومعرفية من مكة إلى مختلف دول العالم، إذ تنعكس المخرجات على مجتمعات يحمل أبناؤها تجربة تعليمية سعودية تعكس قيم الاعتدال، والانفتاح، وجودة التعليم، والتمكين المعرفي، وهي قيم أساسية في رؤية المملكة 2030 التي تسعى لتعزيز مكانة المملكة عالمياً.
  • برنامج “ادرس في السعودية” والقوة الناعمة: أكد الدكتور النجار أن برنامج «ادرس في السعودية» يبرز دور جامعة أم القرى بوصفها الوجهة الأكثر قدرة على تجسيد أهداف البرنامج في بعدها الدولي. وتطلع لتطوير برامج أكاديمية دولية نوعية، ومسارات تعليمية مرنة، وخدمات شاملة للطلبة الدوليين، للإسهام في تعظيم الأثر الدبلوماسي والثقافي للتعليم، إلى جانب دعم الاستدامة المالية للجامعة عبر نماذج تعليمية مدروسة. إن بناء القوة الناعمة يتطلب الانتقال من مفهوم استقطاب الطلبة إلى إدارة منظومة تأثير متكاملة تبدأ من القبول في برامج أكاديمية نوعية للبكالوريوس والدراسات العليا، وصولاً إلى بناء علاقات مستدامة مع الخريجين.
  • شبكة خريجين عالمية: طالب الدكتور النجار الجامعة بتحويل خصوصية مكة المكرمة إلى منظومة جذب وتأثير عالمي، وتأسيس شبكة خريجين عالمية فاعلة. هذا يعزز القوة الناعمة التعليمية للمملكة، ويرسخ مكانة الجامعة بوصفها بوابة التعليم السعودي إلى العالم الإسلامي، ورافداً مستداماً للجودة والتميز والاستدامة المالية. وأضاف أن جامعة أم القرى تعد بوابة حضارية عالمية تنطلق من مكة المكرمة، وتعزز مكانة المملكة في العالم الإسلامي، وتؤكد على أن مكة المكرمة ليست فقط مقصداً للعبادة، بل منصة عالمية لصناعة التأثير المعرفي والحضاري، مما يعكس الدور الريادي للمملكة في خدمة الإسلام والمسلمين.

خاتمة: نحو مستقبل تعليمي مستدام ومؤثر يخدم رؤية المملكة 2030

تؤكد توصيات مجلس الشورى هذه على التزام المملكة الراسخ بتطوير قطاع التعليم العالي، وربطه بأهداف التنمية الوطنية الشاملة ورؤية 2030. من خلال تعزيز البحث العلمي، وتوطين الكفاءات، وتفعيل الشراكات، واستثمار الميز النسبية للجامعات، تسعى المملكة إلى بناء نظام تعليمي عالمي المستوى، قادر على تخريج قادة المستقبل، والمساهمة بفاعلية في الاقتصاد المعرفي، وتعزيز مكانة المملكة كمركز إشعاع حضاري ومعرفي على الصعيدين الإقليمي والدولي. هذه الجهود المتكاملة تهدف إلى تحقيق أقصى استفادة من الإمكانات البشرية والمادية للمملكة، لضمان مستقبل مزدهر ومستدام.

spot_imgspot_img