لم يعد هناك مجال للحلول التقليدية أو الاجتهادات الفردية في منظومة خدمات الحج والعمرة بالمملكة العربية السعودية. فقد بادرت وزارة الحج والعمرة إلى إحداث نقلة نوعية من خلال استراتيجية رقمية متكاملة، ترتكز على تحليل البيانات ورصد الواقع لتجويد وتحسين تجربة ضيوف الرحمن. وبفضل هذا التحول، أصبح الحديث عن صعوبات أداء الركن الخامس وقرينته العمرة جزءاً من الماضي، يُستحضر اليوم للمقارنة والاحتفاء بحجم الإنجاز الذي تحقق.
على مدى عقود، شكلت إدارة الملايين من الحجاج والمعتمرين تحدياً لوجستياً هائلاً. إلا أن الرؤية الطموحة للمملكة 2030 وضعت خدمة ضيوف الرحمن على رأس أولوياتها، مستهدفة زيادة الطاقة الاستيعابية مع الارتقاء بجودة الخدمات المقدمة. من هنا، انطلقت رحلة التحول الرقمي، لتوظيف أحدث التقنيات في خدمة أحد أكبر التجمعات البشرية في العالم، وتحويل التحديات التاريخية إلى فرص للابتكار.
ويبرز نجاح هذا التوجه جلياً في موسم العمرة، خاصة في الأسبوع الأول من شهر رمضان المبارك، حيث يلاحظ الجميع الانسيابية الفائقة والمرونة في حركة الحشود. فالتطبيقات الذكية، وعلى رأسها منصة “نسك”، أصبحت بمثابة المرشد الرقمي للمعتمر، حيث مكنت المسلم من أي بقعة في العالم من تنظيم رحلته الإيمانية بالكامل قبل وصوله. يمكن للمعتمر الآن حجز مواعيد الطواف والسعي، وترتيب وسائل النقل، واختيار السكن، وحتى إدارة ميزانيته، كل ذلك بلمسات بسيطة عبر هاتفه، مما ألغى عنصر المفاجأة ومنحه راحة البال للتفرغ للعبادة.
إن هذه النتائج المبهرة لم تكن لتتحقق لولا الدعم السخي والاهتمام المباشر من قيادة المملكة لخدمة الحرمين الشريفين. فالملايين الذين كانت أعدادهم في الماضي تثير الرهبة، تم استيعابهم واحتواؤهم بكفاءة مذهلة بفضل توظيف التقنيات الحديثة وتحليل البيانات الضخمة لإدارة الحشود بمرونة وانسيابية. هذا الإنجاز لا يرسخ فقط مشاعر الفخر لدى الكوادر الوطنية، بل يقدم للعالم نموذجاً فريداً في كيفية تسخير التكنولوجيا لتعزيز التجربة الروحانية وتأمين سلامة وراحة الملايين.
وتتجلى أسمى صور العناية بضيوف بيت الله في الإشراف المباشر من القيادة على سير العمل. حيث يحرص خادم الحرمين الشريفين وولي عهده، والوزراء، على الوجود في منطقة مكة المكرمة منذ مطلع رمضان وحتى انتهاء موسم الحج. هذا الحضور يؤكد أن خدمة المعتمرين والزوار والحجاج هي مشروع دولة بأكملها، وعمل مؤسسي يجمع بين أداء الواجب الأرضي ونيل التشريف السماوي، لتبقى رحلة العمرة ذكرى إيمانية خالدة في وجدان كل قاصد.


