
في قلب جدة التاريخية، حيث تتشابك عبق الماضي مع حيوية الحاضر، يتربع سوق العلوي كشاهد حي على عراقة المدينة وروحها الأصيلة. هذا السوق ليس مجرد مكان للتبادل التجاري، بل هو متحف مفتوح يحكي قصص الأجيال، ويقدم لزواره تجربة حسية فريدة تتجاوز حدود الزمان والمكان. إنه القلب النابض لـ “البلد”، المنطقة التي صنفتها اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي، ومحور جذب رئيسي للباحثين عن الأصالة والتاريخ.
لطالما اشتهر سوق العلوي بتنوع بضائعه التي تعكس ثراء الثقافة المحلية والتجارية للمنطقة. فمنذ قرون، كانت أروقته تضج بأنواع البخور الفاخرة التي تملأ الأجواء بعبقها الشرقي الأصيل، والعطور العربية التقليدية التي تحكي قصص الأناقة والجمال. إلى جانب ذلك، يشتهر السوق بتوابله النادرة التي تضفي نكهة خاصة على المطبخ السعودي والعربي، والتمور بأنواعها الفاخرة التي تعد جزءاً لا يتجزأ من الضيافة السعودية، بالإضافة إلى المكسرات والحبوب التي تلبي احتياجات السكان والزوار على حد سواء. يضم السوق العديد من أسماء العطارين القدامى والأسر التجارية العريقة التي أسست تجارة العطارة في هذه المنطقة التاريخية، محافظين على إرث الأجداد ومهاراتهم المتوارثة.
جدة: بوابة الحرمين الشريفين وسوق العلوي كشريان حيوي
تاريخياً، لعبت جدة دوراً محورياً كبوابة رئيسية للحجاج والمعتمرين القادمين إلى الأراضي المقدسة. هذا الدور تعزز بشكل كبير قبل أكثر من 1400 عام، عندما أعلن الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه جدة مدخلاً رئيسياً للحجاج. يُروى أن الخليفة عثمان قد مشى في طريق سوق العلوي واتجه نحو البحر، وصلى ركعتين في آخر السوق، مؤكداً على أهمية المدينة كمركز حيوي لاستقبال ضيوف الرحمن. هذه اللحظة التاريخية رسخت مكانة جدة وسوق العلوي كشريان رئيسي يربط الميناء بباب مكة، حيث كان الحجيج ينطلقون من الميناء عبر سوق العلوي إلى باب مكة، وفي عودتهم يسلكون نفس الطريق، وذلك عندما كانت قوافل الجمال هي وسيلة النقل الرئيسية آنذاك. هذا التفاعل المستمر مع الحجاج من مختلف بقاع العالم أثرى السوق ثقافياً وتجارياً، وجعله بوتقة تنصهر فيها الثقافات وتتبادل فيها البضائع والخبرات.
معالم تاريخية ومعمارية فريدة
يحتضن سوق العلوي عدداً من المساجد الأثرية والتاريخية التي تعكس عمق الإرث الإسلامي للمدينة. من أبرزها مسجد عثمان بن عفان، المعروف أيضاً بمسجد الأبنوس، الذي يحمل في طياته قروناً من العبادة والتاريخ. كما يقع في جنبات السوق مسجد الشافعي، الذي يُعد أقدم مساجد جدة التاريخية، ويتميز ببنيانه وعمارته الفريدة التي تعكس الطراز المعماري للمنطقة. بالإضافة إلى ذلك، يضم السوق مسجد الباشا ومسجد المعمار الذي يقع في شارع العلوي، وكلها تشكل جزءاً لا يتجزأ من النسيج العمراني والثقافي للمنطقة.
لا تقتصر فرادة سوق العلوي على مساجده فحسب، بل تمتد لتشمل مبانيه القديمة ذات الطراز المعماري الحجازي المميز. تتراص على جنباته المنازل القديمة ذات الرواشين الخشبية المزخرفة، التي لا تزال تحافظ على رونقها وجمالها، لترسم في نفوس زائريها انطباعاً مميزاً يعيدهم إلى الماضي الجميل. من أبرز هذه المباني بيت جوخدار، الذي يتميز برواشينه الخشبية ذات الزخارف الجميلة، والتي تعد الأكبر في المنطقة، وبيت الريّس بتصميمه الداخلي الفريد الذي تطل جميع غرفه على فناء داخلي جميل محاط بأعمدة تعلوها أقواس حجرية. كما يبرز بيت كدوان بموقعه القريب من برحة نصيف، وبيت نصيف وبيت المتبولي، وكلها تمثل أيقونات معمارية تروي تاريخ المنطقة وتراثها الغني. وقد خضعت هذه المباني لعمليات ترميم وتأهيل دقيقة برؤية عصرية، بهدف الإسهام في الحفاظ على تراث المملكة وصونه وتأهيله وإبرازه، وفقاً لأعلى المعايير المتبعة عالمياً، وضوابط منظمة اليونسكو التي صنفت جدة التاريخية في العام 2014 ضمن قائمتها للتراث العالمي.
سوق العلوي: قلب جدة النابض بالحياة والتراث
يمثل سوق العلوي القلب النابض لمنطقة جدة التاريخية، التي اشتهرت بوجه تجاري مميز قديماً، وأثرياً حالياً، وتتجدد دائماً. إنه ليس مجرد سوق، بل هو مركز بشري يضم العديد من الثقافات التي تعاقبت عبر السنين، وبوابة للحرمين الشريفين ومركزاً تجارياً يقصده الزوار من كل حدب وصوب. تمتد سوق العلوي من شارع قابل وصولاً إلى سوق البدو، وكانت بمثابة نقطة لتجمع معظم التجار، وفيها الكثير من البيوت التجارية، وكانت طريقاً يستقبل مراكب الحجاج الراسية على ميناء جدة القديم منذ مئات السنين، فتأخذهم عبر مسار الحج والأزقة الضيقة التي تطل عليها الرواشين الخشبية.
تُعد سوق العلوي وجهة لا غنى عنها في ليالي رمضان خصوصاً، حيث تشهد ازدحاماً كبيراً يستمر إلى ساعة السحور وسط إضاءة تزيدها متعة وجمالاً. هذا الازدحام يعكس مكانة السوق كمركز اجتماعي وثقافي، حيث يلتقي الناس للتسوق وتبادل الأحاديث والاستمتاع بالأجواء الرمضانية التقليدية. إنها تجربة فريدة تجمع بين التسوق والترفيه والتواصل الاجتماعي، وتجسد روح جدة الأصيلة التي تحافظ على عاداتها وتقاليدها.
تأثير سوق العلوي في الحاضر والمستقبل
في ظل رؤية المملكة 2030، تكتسب مناطق التراث مثل جدة التاريخية وسوق العلوي أهمية متزايدة كركائز أساسية للسياحة الثقافية. إن جهود الترميم والتأهيل المستمرة لا تهدف فقط إلى الحفاظ على هذه المواقع للأجيال القادمة، بل أيضاً إلى إبرازها كوجهات سياحية عالمية تجذب الزوار من جميع أنحاء العالم. سوق العلوي، بعبقه التاريخي وتنوعه الثقافي، يساهم بشكل فعال في تحقيق أهداف الرؤية الرامية إلى تنويع مصادر الدخل وتعزيز مكانة المملكة كمركز ثقافي وسياحي رائد. إنه يمثل جسراً يربط الماضي العريق بالمستقبل الواعد، ويقدم للعالم لمحة عن عمق الحضارة السعودية وتراثها الغني.
بالتجول في أركان سوق العلوي وممراته، ومشاهدة زواياه واشتمام رائحة الحبوب والتوابل، وتجارة الملابس التراثية والأزياء الشعبية، يشعر الزائر وكأنه يعيش فصولاً من تاريخ جدة العريق. إنه مكان يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويقدم تجربة لا تُنسى لكل من يبحث عن لمسة من التراث السعودي الأصيل في قلب مدينة جدة النابض.


