spot_img

ذات صلة

جنوب أفريقيا وإسرائيل: طرد متبادل للدبلوماسيين بسبب حرب غزة

شهدت العلاقات الدبلوماسية بين جنوب أفريقيا وإسرائيل تصعيداً غير مسبوق، حيث بلغت الأزمة ذروتها مع إعلان وزارة الخارجية في جنوب أفريقيا القائم بالأعمال الإسرائيلي، أرئيل سيدمان، “شخصاً غير مرغوب فيه”، ومنحته مهلة 72 ساعة لمغادرة البلاد. جاء هذا القرار الحاسم يوم الجمعة، مستنداً إلى “انتهاكات متكررة للأعراف الدبلوماسية” من الجانب الإسرائيلي، وذلك في سياق التوتر المتزايد على خلفية العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة.

لم تتأخر إسرائيل في الرد على هذه الخطوة، حيث أعلنت بدورها أن كبير ممثلي جنوب أفريقيا الدبلوماسيين في تل أبيب، الوزير شون إدوارد باينفيلدت، أصبح “شخصاً غير مرغوب فيه”، وطلبت منه مغادرة البلاد خلال 72 ساعة أيضاً. واعتبرت وزارة الخارجية الإسرائيلية أن خطوة جنوب أفريقيا تمثل “هجوماً مغرضاً على إسرائيل في الساحة الدولية”، مؤكدة أنها ستنظر في اتخاذ خطوات إضافية في الوقت المناسب.

تأتي هذه التطورات ضمن سياق أوسع من التدهور في العلاقات بين البلدين، والذي تفاقم بشكل ملحوظ منذ بدء الحرب في غزة في أكتوبر 2023. لطالما كانت جنوب أفريقيا من أشد المنتقدين للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، مستندة في ذلك إلى تاريخها الخاص في مكافحة نظام الفصل العنصري (الأبارتايد). هذه الخلفية التاريخية تمنح موقف بريتوريا ثقلاً أخلاقياً وسياسياً خاصاً على الساحة الدولية، حيث ترى في الوضع الفلسطيني انعكاساً لتجاربها الماضية.

وقد أكدت جنوب أفريقيا مراراً أن الهجوم الجوي والبري الإسرائيلي يستهدف تدمير سكان غزة، وهي اتهامات بلغت ذروتها بتقديم بريتوريا شكوى رسمية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية (ICJ) في أواخر عام 2023، متهمة إياها بـ”ارتكاب إبادة جماعية” في القطاع. هذه الخطوة القانونية غير المسبوقة وضعت جنوب أفريقيا في طليعة الدول التي تسعى لمحاسبة إسرائيل دولياً، وأضافت بعداً جديداً للضغط الدبلوماسي والقانوني عليها.

إن إعلان “شخص غير مرغوب فيه” (Persona Non Grata) هو إجراء دبلوماسي رسمي شديد، تستخدمه الدول عندما تقرر رفض وجود دبلوماسي أجنبي على أراضيها. وبحسب اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، لا يحتاج القرار إلى تبرير من الدولة المضيفة، بل يُستخدم عادة عند وجود خلاف دبلوماسي حاد، أو تصريحات أو أنشطة تُعتبر استفزازية، أو رغبة في توجيه رسالة سياسية قوية إلى دولة أخرى. إن التبادل المماثل لهذا الإجراء بين جنوب أفريقيا وإسرائيل يعكس عمق الأزمة ووصولها إلى نقطة اللاعودة في الوقت الراهن.

تداعيات هذا التصعيد الدبلوماسي قد تكون واسعة النطاق. على الصعيد الثنائي، من المتوقع أن تتجمد العلاقات الدبلوماسية بين البلدين أو تتدهور بشكل أكبر، مما قد يؤثر على التعاون في مجالات أخرى. أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن موقف جنوب أفريقيا القوي قد يشجع دولاً أخرى، خاصة في أفريقيا والعالم النامي، على اتخاذ مواقف أكثر صرامة تجاه إسرائيل، مما يزيد من عزلتها الدبلوماسية. كما أن هذه الخطوة تسلط الضوء مجدداً على أهمية القانون الدولي ودور المؤسسات القضائية الدولية في التعامل مع النزاعات المعقدة، وتؤكد على أن تداعيات حرب غزة تتجاوز حدود المنطقة لتشمل العلاقات الدبلوماسية العالمية.

spot_imgspot_img