في قرار قضائي تاريخي هز الأوساط السياسية في كوريا الجنوبية، أصدرت محكمة في العاصمة سيول، اليوم الخميس، حكماً بالسجن لمدة 30 عاماً على الرئيس السابق يون سيوك يول، بعد إدانته بتهمة قيادة تمرد والخيانة العظمى. جاء الحكم وسط مشاهد متناقضة، حيث تجمع أنصاره خارج مبنى المحكمة وهم يبكون، بينما احتفل معارضوه بما اعتبروه انتصاراً للديمقراطية وسيادة القانون.
خلفية الأزمة السياسية وإعلان الأحكام العرفية
تعود جذور القضية إلى ليلة الثالث من ديسمبر 2024، عندما أعلن الرئيس يون بشكل مفاجئ فرض الأحكام العرفية في البلاد، في خطوة غير مسبوقة في تاريخ كوريا الجنوبية الديمقراطي الحديث. جاء هذا الإعلان قبل ساعات فقط من تصويت مرتقب في الجمعية الوطنية (البرلمان) على مذكرة لعزله من منصبه. وُجهت ليون اتهامات بأنه حاول من خلال هذه الخطوة منع التصويت وتفكيك المؤسسة التشريعية بالقوة، حيث أمر بنشر قوات من الجيش والشرطة لمحاصرة مبنى البرلمان ومنع النواب من دخوله، كما أصدر أوامر باعتقال شخصيات سياسية بارزة، من بينهم رئيس البرلمان وقادة الأحزاب الرئيسية.
سابقة تاريخية مؤلمة للشعب الكوري
يحمل مصطلح “الأحكام العرفية” في كوريا الجنوبية إرثاً تاريخياً مؤلماً، حيث يرتبط بفترات الحكم العسكري الديكتاتوري، خاصة في عهد بارك تشونغ هي وتشون دو هوان، والتي شهدت قمعاً واسعاً للحريات الديمقراطية وانتهاكات لحقوق الإنسان، أبرزها مذبحة غوانغجو عام 1980. لذلك، أثار إعلان يون صدمة وغضباً عارماً في الشارع الكوري، الذي رأى في الخطوة محاولة يائسة للتمسك بالسلطة وتقويض الديمقراطية التي ناضل الشعب طويلاً من أجلها.
تفاصيل المحاكمة والتهم الموجهة
خلال المحاكمة، وجه فريق المستشار الخاص “جو أون-سوك” اتهامات ليون بالتآمر مع وزير دفاعه السابق وآخرين لقلب نظام الحكم الدستوري. وطالب الادعاء بإنزال عقوبة الإعدام بالرئيس السابق، معتبراً أن جريمته المتمثلة في محاولة الاستيلاء على السلطتين التشريعية والقضائية تستحق أقصى عقوبة. ووصف الادعاء إعلان الأحكام العرفية بأنه “جريمة خطيرة” تم فيها حشد موارد الدولة التي يجب أن تستخدم فقط للمصلحة الوطنية.
في المقابل، دفع يون ببراءته طوال المحاكمة، مؤكداً في بيانه الختامي أن ممارسته لحقه الدستوري كرئيس في إعلان حالة الطوارئ لا يمكن أن تشكل تمرداً. وشكك محاميه في نزاهة الحكم، قائلاً إنه “لم يفعل سوى تأكيد سيناريو مكتوب مسبقاً”، وأشار إلى أنه سيناقش مع موكله إمكانية الطعن على الحكم واستئنافه.
أهمية الحكم وتأثيره المتوقع
يمثل هذا الحكم لحظة فارقة في تاريخ كوريا الجنوبية، حيث يرسخ مبدأ أن لا أحد فوق القانون، حتى رئيس الدولة. على الصعيد المحلي، يعزز الحكم ثقة المواطنين في استقلالية القضاء وقوة المؤسسات الديمقراطية، لكنه في الوقت ذاته قد يعمق حالة الاستقطاب السياسي الحاد في البلاد. أما على الصعيد الدولي، فإن نجاح كوريا الجنوبية في محاسبة رئيس سابق حاول تقويض الديمقراطية يعزز صورتها كدولة ديمقراطية ناضجة ومستقرة في منطقة شرق آسيا، ويرسل رسالة قوية حول متانة سيادة القانون فيها.


