spot_img

ذات صلة

مبطلات الصيام المعنوية: أخطر من الأكل والشرب في رمضان

في تصريح يلامس جوهر العبادة، أكدت الدكتورة فاطمة جابر السيد يوسف، عضو هيئة تدريس الفقه المقارن في جامعة الأزهر، أن مبطلات الصوم المعنوية أشدّ خطورة وتأثيراً على صحة الصيام من المبطلات الحسيّة المادية. وأوضحت أن هذه المبطلات الأخلاقية تشمل آفات اللسان والجوارح مثل الغيبة، النميمة، الكذب، شهادة الزور، بالإضافة إلى السلوكيات التي تهدم الثقة المجتمعية كالظلم، الغش، الخداع، وأكل أموال الناس بالباطل عبر السرقة أو المعاملات الربوية المحرمة.

فلسفة الصيام: ما وراء الإمساك عن الطعام والشراب

يأتي هذا التأكيد ليعيد تسليط الضوء على المقصد الأسمى من فريضة الصيام، التي تُعد ركناً أساسياً من أركان الإسلام. فالصيام في جوهره ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب والشهوات من الفجر إلى المغرب، بل هو مدرسة تربوية متكاملة تهدف إلى تحقيق التقوى، كما ورد في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ». فالتقوى هي الهدف النهائي، وهي حالة قلبية وروحية تدفع المسلم إلى فعل الخيرات وترك المنكرات، وهذا لا يتحقق إلا بضبط النفس والجوارح عن كل ما يغضب الله.

صيام الجوارح: المفهوم النبوي للصوم الكامل

وشددت الدكتورة فاطمة جابر على مفهوم “صوم الجوارح”، وهو امتداد طبيعي لفهم الصيام الحقيقي. فيجب على العين أن تصوم عن النظر إلى ما حرم الله، وعلى الأذن أن تصوم عن الاستماع إلى اللغو والغيبة، وعلى اللسان أن يصوم عن الكذب والجدال الباطل. وهذا المفهوم متجذر في السنة النبوية الشريفة، حيث قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: “مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ”. هذا الحديث الشريف يوضح بجلاء أن الله لا ينظر إلى مجرد جوع الصائم وعطشه إذا لم يقترن ذلك بتهذيب السلوك والأخلاق.

الأثر المجتمعي للاهتمام بالمبطلات المعنوية

إن التركيز على الجانب المعنوي للصيام له أثر عميق يتجاوز الفرد ليصل إلى المجتمع بأسره. فعندما يلتزم الصائمون بضبط ألسنتهم وجوارحهم، تقل الخصومات والنزاعات، وتنتشر أجواء من الثقة والأمانة والصدق في التعاملات. يصبح شهر رمضان فرصة حقيقية لإصلاح العلاقات الاجتماعية، وتقوية الروابط الأسرية، ونشر ثقافة التسامح والتعاون. وبهذا، يتحول الصيام من عبادة فردية إلى مشروع نهضوي أخلاقي يساهم في رقي المجتمع واستقراره، ويقدم صورة حضارية مشرقة عن تعاليم الإسلام التي تهدف إلى بناء الإنسان والمجتمع على أسس من الفضيلة والتقوى.

spot_imgspot_img