spot_img

ذات صلة

مقاصد الصيام الروحية: أكثر من مجرد امتناع عن الطعام

جوهر الصيام: أبعد من مجرد الامتناع العابر

يؤكد المفكر والدكتور مسفر بن علي القحطاني أن الصيام ليس مجرد طقس روتيني أو امتناع عابر عن الطعام والشراب، بل هو عبادة ذات أبعاد روحية عميقة تترك أثراً بالغاً في مستويات الإيمان لدى المسلم. ويرى الدكتور القحطاني أن الغاية العظمى والمقصد الأسمى من الصيام هو تحقيق “التقوى”. وتتعرض هذه التقوى للضعف عادة بسبب عاملين رئيسيين: ضعف استشعار الرقابة الإلهية، وضعف الإرادة الإنسانية. وهذان العاملان هما الثغرة التي يستحوذ من خلالها الشيطان على الإنسان، حيث تقع المعاصي غالباً إما لغياب استشعار رقابة الله، أو لعدم قدرة الإنسان على كبح جماح رغباته.

من هنا، يأتي شهر رمضان كدورة تدريبية مكثفة تستمر ثلاثين يوماً، تهدف إلى إعادة بناء وتقوية “الرقابة الذاتية”. فالصيام عبادة سرية بين العبد وخالقه، وهو ما يتجلى في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به». أما تقوية الإرادة، فتظهر بوضوح من خلال قدرة المسلم على الامتناع عن المباحات الأساسية طوال النهار، مما يروض النفس ويعودها على ترك المحرمات بقوة إرادة صلبة، وهو ما يفسر قول النبي ﷺ: «الصيام جُنَّة»، أي وقاية وحماية من الوقوع في الزلل.

السياق التاريخي والتشريعي لفريضة الصيام

تاريخياً، فُرض صيام شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة، وهو توقيت يحمل دلالات عظيمة في بناء المجتمع الإسلامي الأول في المدينة المنورة. لم يكن فرض الصيام مجرد اختبار جسدي، بل كان تهيئة روحية ونفسية عميقة للمسلمين. هذه التهيئة التي عززت الإرادة والرقابة الذاتية كانت الخطوة التأسيسية التي مهدت لتشريع فريضة الزكاة والجهاد في نفس العام، حيث لا يمكن بناء مجتمع متكافل وقوي دون أفراد يمتلكون سيطرة تامة على رغباتهم المادية.

إعادة التوازن للروح والجسد: منظور عالمي

يشير القحطاني إلى أن قوة الرقابة والإرادة لا تثمر التقوى فحسب، بل هي أساس لاستقامة حياة الإنسان وصلاح مجتمعه. هذا الأثر الإيجابي للصيام تجاوز حدود العالم الإسلامي، حيث أصبحنا نشهد اليوم إقبالاً عالمياً من غير المسلمين على ممارسات مثل “الصيام المتقطع” لتحقيق فوائد صحية وصفاء ذهني. وقد أثبتت الأبحاث الطبية الحديثة، ومن أبرزها جائزة نوبل في الطب لعام 2016 التي مُنحت للعالم الياباني يوشينوري أوسومي عن اكتشافه لآلية “الالتهام الذاتي” (Autophagy)، أن الصيام يجدد خلايا الجسم ويقيه من الأمراض، مما يؤكد التوافق التام بين التشريع الإسلامي والحقائق العلمية.

على الصعيد الفلسفي، أدرك العديد من المفكرين قيمة الصيام في إعلان سيادة الروح على المادة، كما عبر عن ذلك المفكر الألماني المسلم “مراد هوفمان”. وفي التراث الإسلامي، أورد ابن عربي في “الفتوحات المكية” لفتة لغوية عميقة، حيث أشار إلى أن الصيام في لغة العرب يعني “الرفعة”، مما يدل على أن هذه العبادة تسمو بروح الإنسان وترتقي به إلى مصاف الملائكية، مبتعدة به عن الغرائز البهيمية، وهو ما يتوافق مع رؤية الإمام ولي الله الدهلوي.

قصة ملهمة: الصيام كرسالة دعوية صامتة

يشارك الدكتور القحطاني قصة واقعية حدثت معه في صيف عام 2011، عندما التقى بشاب فرنسي اعتنق الإسلام حديثاً. وعند سؤاله عن سبب إسلامه، روى الشاب أنه كان يراقب عمالاً مغاربة مسلمين يعملون بجهد تحت أشعة شمس الظهيرة الحارقة دون أن يتناولوا قطرة ماء أو طعام. أثار هذا المشهد دهشته، وعندما سألهم، أخبروه أنهم صائمون طاعة لله. ورغم بساطة إجابتهم، إلا أن التزامهم الذاتي وقوة تحملهم دفعا الشاب للبحث والقراءة المعمقة عن الإسلام والصيام، مما أدى في النهاية إلى إسلامه وإسلام والدته. هذه القصة تبرز التأثير الإقليمي والدولي لسلوك المسلم الملتزم، وكيف يمكن للصيام أن يكون دعوة صامتة ومؤثرة.

لماذا نصوم؟ استعادة المعنى المفقود

في الختام، يطرح القحطاني تساؤلاً جوهرياً: لماذا نصوم؟ يجب ألا يتحول رمضان إلى مجرد موسم للمأكولات والبرامج التلفزيونية وجلسات السمر، متناسين البعد الاجتماعي المتمثل في التكافل والشعور بمعاناة الفقراء والمحتاجين. الصيام ليس مجرد أداء حركي كباقي العبادات، بل هو “كف وامتناع” يربي النفس ويهذبها. إنه الركن الرابع من أركان الإسلام، ومحطة سنوية لتجديد الإيمان وغسل الذنوب، مصداقاً لقول المصطفى ﷺ: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً، غُفر له ما تقدّم من ذنبه».

spot_imgspot_img