في تطور مقلق يضاف إلى المشهد المتزايد لتهديدات الأمن السيبراني، كشف باحثون متخصصون عن أداة رقمية بالغة التطور تُعرف باسم Stanley. تُعد هذه الأداة الخبيثة بمثابة طفرة في أساليب التصيّد الاحتيالي، حيث تستهدف متصفحات الإنترنت بطريقة فريدة وخطيرة للغاية. تكمن خطورتها في قدرتها على عرض مواقع ويب مزيفة بالكامل، مع الإبقاء على عنوان الموقع الحقيقي ظاهراً في شريط المتصفح، مما يجعل اكتشاف الخداع شبه مستحيل للمستخدم العادي وغير المتخصص.
تندرج أداة Stanley ضمن موجة متصاعدة من البرمجيات الخبيثة المتقدمة التي تُباع في الأسواق الإلكترونية الإجرامية، والتي تُعرف أحياناً بنموذج “البرمجيات الخبيثة كخدمة” (Malware-as-a-Service). تتراوح أسعار هذه الأدوات بين 2000 و6000 دولار، وتُستخدم بشكل أساسي لسرقة بيانات تسجيل الدخول والمعلومات المالية الحساسة عبر أساليب خداع عالية الاحترافية. هذا التطور يعكس تحولاً في عالم الجريمة السيبرانية، حيث لم تعد الهجمات مقتصرة على رسائل البريد الإلكتروني التقليدية، بل أصبحت تستغل الثغرات في الثقة الرقمية والتفاعل اليومي للمستخدمين مع متصفحاتهم.
تعتمد آلية عمل أداة Stanley على امتدادات متصفح خبيثة يتم تثبيتها سراً. تقوم هذه الامتدادات بعرض صفحات تصيّد احتيالي كاملة فوق المواقع الشرعية التي يزورها المستخدم، في حين يبقى عنوان الـURL الأصلي دون تغيير. هذا التكتيك يمنح الضحية إحساساً زائفاً بالأمان، حيث يعتقد أنه يتفاعل مع الموقع الأصلي، بينما هو في الواقع يقدم بياناته الحساسة للمهاجمين.
يجري الترويج لهذه الأداة بفاعلية داخل منتديات الجريمة الإلكترونية السرية، مع تركيز إعلاناتها على قدرتها الفريدة على ضمان نشر الامتداد عبر متجر Chrome Web Store الرسمي. هذا الجانب يمثل خطورة مضاعفة، إذ يمنح الامتداد مظهراً رسمياً ومصدراً موثوقاً في نظر المستخدمين. وتكمن الخطورة الأكبر في أن الامتداد الخبيث يتخفّى على هيئة تطبيقات شائعة ومفيدة لتدوين الملاحظات أو حفظ الإشارات المرجعية، ما يدفع المستخدمين غير الحذرين إلى منحه أذونات واسعة النطاق دون إدراك العواقب الوخيمة التي قد تترتب على ذلك، مثل التحكم الكامل في سجل التصفح والوصول إلى البيانات الشخصية.
تتيح لوحة التحكم الخاصة بأداة Stanley للمهاجمين اختيار الضحايا المستهدفين بدقة متناهية، وتحديد عنوان الموقع الشرعي المراد تقليده، إلى جانب الموقع المزيف الذي سيتم عرضه بدلاً منه. وبمجرد دخول المستخدم إلى الصفحة المستهدفة والنقر على أي رابط، يتم تثبيت الامتداد الخبيث، ليبدأ لاحقاً في اعتراض زياراته إلى مواقع أخرى، واستبدال المحتوى الأصلي بمحتوى مزيف تابع للمهاجم، مع الإبقاء على عنوان الموقع الحقيقي ظاهراً في شريط المتصفح، مما يضاعف من صعوبة اكتشافه.
علاوة على ذلك، يستغل المهاجمون عنوان الـIP الخاص بالمستخدم بوصفه معرفاً فريداً، ما يسمح بتتبع الضحايا عبر جلسات تصفح متعددة، بل وحتى عبر أجهزة مختلفة. هذه القدرة على التتبع تزيد من فعالية الهجمات وتسمح للمهاجمين ببناء ملفات تعريف مفصلة عن ضحاياهم.
إن تزايد مثل هذه الهجمات المتطورة له تأثيرات واسعة النطاق تتجاوز الخسائر الفردية. فعلى المستوى الاقتصادي، يمكن أن تؤدي عمليات الاحتيال هذه إلى خسائر مالية فادحة للأفراد والشركات، وتؤثر على الثقة في التجارة الإلكترونية والخدمات المصرفية عبر الإنترنت. أما على المستوى الأمني، فإن سرقة بيانات الاعتماد يمكن أن تفتح الباب أمام هجمات أكبر تستهدف البنى التحتية الحيوية أو المؤسسات الحكومية، مما يشكل تهديداً للأمن القومي. كما أن انتشار هذه الأدوات يعزز من اقتصاد الجريمة السيبرانية العالمي، الذي يقدر بمليارات الدولارات سنوياً، ويدفع عجلة الابتكار في الأساليب الإجرامية.
في ضوء هذه التهديدات المتصاعدة، ينصح خبراء الأمن السيبراني الأفراد والمؤسسات باتباع إجراءات وقائية صارمة. أبرز هذه الإجراءات هو تقليل عدد امتدادات المتصفح المثبتة إلى الحد الأدنى الضروري، ومراجعة الأذونات المطلوبة بعناية فائقة قبل التثبيت، وتجنب منح الأذونات الشاملة التي تتيح التحكم الكامل بالتصفح إلا عند الضرورة القصوى ومن مصادر موثوقة تماماً. كما يُنصح بشدة باستخدام المصادقة متعددة العوامل (MFA) لجميع الحسابات الحساسة، وتحديث المتصفحات وأنظمة التشغيل بانتظام، والاعتماد على برامج مكافحة الفيروسات والبرمجيات الخبيثة الموثوقة. الوعي الأمني واليقظة المستمرة هما خط الدفاع الأول ضد هذه الهجمات المعقدة.


