
مع حلول فصل الشتاء وانخفاض درجات الحرارة، تتصدر المشهد الصحي شكاوى متكررة مما يُعرف شعبياً باسم «برد المعدة». ورغم شيوع هذا المصطلح بين الناس، إلا أنه يمثل توصيفاً عامياً لحالة طبية أكثر دقة تُعرف بالتهاب المعدة والأمعاء (Gastroenteritis). هذه الحالة ليست مجرد وعكة عابرة، بل هي تحدٍ صحي يتطلب فهماً دقيقاً لأسبابه وطرق التعامل معه لتجنب المضاعفات، خاصة لدى الفئات الأكثر ضعفاً.
السياق الطبي والانتشار العالمي
تُعد النزلات المعوية الفايروسية من أكثر الأمراض المعدية انتشاراً على مستوى العالم، ولا تقتصر على منطقة جغرافية بعينها. تاريخياً، كانت هذه الالتهابات سبباً رئيسياً للوفيات قبل تطور محاليل الإماهة الفموية وتحسن معايير النظافة العامة. وتكمن أهمية التوعية بهذا المرض في تأثيره المباشر على الصحة العامة والاقتصاد، حيث يُعتبر سبباً رئيسياً للتغيب عن العمل والمدارس خلال مواسم الذروة، مما يجعله قضية صحية تستوجب الاهتمام المحلي والدولي، لا سيما في التجمعات السكانية الكثيفة.
حقيقة «برد المعدة» والأعراض الشائعة
أوضح استشاري طب الأسرة بصحة جدة، الدكتور محمد جمعة، أن مصطلح «برد المعدة» ليس تشخيصاً طبياً معتمداً، بل هو إشارة لالتهاب ينتج غالباً عن فايروسات نشطة مثل «النوروفايروس» و«الروتا». وتزداد حدة هذه الفايروسات في الشتاء، مسببة أعراضاً تشمل الغثيان، القيء، الإسهال، تقلصات البطن، وارتفاعاً طفيفاً في الحرارة. وأكد أن فترة حضانة الفايروس تتراوح بين 12 إلى 48 ساعة، وتستمر الأعراض عادة من يومين إلى خمسة أيام.
طرق الانتقال والوقاية
تتميز هذه العدوى بسرعة انتقالها الهائلة، حيث أكد الدكتور جمعة أن المرض ينتقل عبر الأسطح الملوثة، الأيدي غير المغسولة، أو الطعام والماء الملوثين. ومن هنا تأتي الأهمية القصوى للنظافة الشخصية وتعقيم الأسطح المشتركة. وفيما يخص العلاج، أشار إلى أنه يعتمد بشكل أساسي على الراحة وتعويض السوائل المفقودة لتجنب الجفاف، مع استخدام أدوية داعمة لتخفيف الأعراض تحت إشراف طبي، محذراً من استخدام المضادات الحيوية التي لا تجدي نفعاً مع العدوى الفايروسية.
الفرق الجوهري بين برد المعدة والتسمم الغذائي
من جانبه، فصّل أخصائي طب الأسرة الدكتور سلطان السهلي الفروقات الدقيقة بين الحالتين؛ حيث أشار إلى أن «برد المعدة» (النزلة المعوية) سببه عدوى فايروسية تنتقل بين البشر وغالباً ما يصاحبها حمى وتستمر لعدة أيام. في المقابل، ينتج التسمم الغذائي عن تناول طعام فاسد، وتظهر أعراضه بشكل مفاجئ وسريع خلال ساعات، وغالباً لا تصاحبه حمى، ويتحسن المريض خلال 24 إلى 48 ساعة.
ونصح الدكتور السهلي بتجنب الأطعمة الدسمة، الكافيين، والمشروبات الغازية خلال فترة المرض لأنها تزيد من تهيج المعدة وتفاقم الجفاف، مشدداً على أن الفئات مثل الأطفال وكبار السن هم الأكثر عرضة للمضاعفات ويحتاجون لمراقبة دقيقة.
النظام الغذائي المناسب: قاعدة BRAT
وفي سياق العلاج الغذائي، أوضح الدكتور رامي حسام أبو شنب، أخصائي أول طب الأسرة، أن أفضل نظام غذائي لتهدئة المعدة يُعرف اختصاراً بـ «BRAT»، والذي يشمل الموز (Bananas)، الأرز (Rice)، التفاح (Apples)، والخبز المحمص (Toast). هذه الأطعمة سهلة الهضم وتساعد في تماسك المعدة. وشدد الدكتور أبو شنب على ضرورة مراجعة الطوارئ في حال استمرار الأعراض لأكثر من يومين، أو وجود دم في القيء، أو ارتفاع الحرارة عن 39 درجة مئوية، لتلقي الرعاية اللازمة وتعويض السوائل وريدياً إذا لزم الأمر.


