ملعب ستاد دو لا مينو: أيقونة رياضية تجمع بين عراقة التاريخ ورؤية المستقبل
في خطوة فريدة تمزج بين عالمي الرياضة والطيران، خطف ملعب “ستاد دو لا مينو” التاريخي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية أنظار العالم بتصميمه المبتكر. الملعب، الذي استضاف مؤخراً مواجهة حماسية في الدوري الأوروبي بين نادي ستراسبورغ وكريستال بالاس الإنجليزي، لم يعد مجرد ساحة رياضية، بل تحول إلى تحفة معمارية ورمز عالمي للاستدامة، بفضل واجهته الجنوبية الجديدة التي صُنعت من هياكل 30 طائرة ركاب من طراز “إيرباص A340” خرجت من الخدمة.
خلفية تاريخية لقلعة ستراسبورغ الرياضية
يُعد “ستاد دو لا مينو” أحد أقدم الملاعب في فرنسا، حيث افتُتح للمرة الأولى في عام 1921، ومنذ ذلك الحين وهو المعقل الرئيسي لنادي ريسينغ كلوب دي ستراسبورغ. على مدار قرن من الزمان، شهد الملعب لحظات تاريخية لا تُنسى، من بينها استضافة مباريات في كأس العالم 1938 وبطولة أمم أوروبا 1984، بالإضافة إلى نهائي كأس الكؤوس الأوروبية عام 1988. ومع مرور الزمن، أصبحت الحاجة ملحة لتحديث بنيته التحتية المتقادمة ليتوافق مع المعايير الحديثة للملاعب العالمية، وليوفر تجربة أفضل للجماهير التي تتسع لها مدرجاته حالياً لنحو 26 ألف متفرج.
مشروع تجديد ثوري: من هياكل الطائرات إلى واجهة معمارية
في يناير 2021، انطلق مشروع التجديد الطموح بتكلفة بلغت 160 مليون يورو، بهدف تحويل الملعب إلى منشأة عصرية ومستدامة. كانت الفكرة الأبرز هي استخدام أجزاء من هياكل طائرات “إيرباص A340” لتغطية الواجهة الجنوبية، المعروفة باسم “Brise Soleil”. تم تقطيع هياكل الطائرات بدقة متناهية لتشكيل 196 لوحاً معدنياً منحنياً، لا تمنح الملعب مظهراً مستقبلياً يشبه “سفينة فضاء” كما وصفته الصحافة البريطانية فحسب، بل تساهم أيضاً في تنظيم دخول ضوء الشمس وتوفير الظل، مما يعكس تكاملاً بين الجمال البصري والوظيفة البيئية. هذا النهج المبتكر في إعادة التدوير يضع الملعب في طليعة العمارة الرياضية الصديقة للبيئة.
الأهمية والتأثير المتوقع: نموذج عالمي للاستدامة
يتجاوز تأثير هذا المشروع حدود مدينة ستراسبورغ ليرسل رسالة قوية إلى العالم. على المستوى المحلي، يعزز الملعب الجديد مكانة النادي والمدينة، ومن المتوقع أن يجذب “السياحة الرياضية”، ويوفر تجربة فريدة للمشجعين. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فيقدم “ستاد دو لا مينو” نموذجاً رائداً في تطبيق مبادئ الاقتصاد الدائري في المشاريع الضخمة. فبدلاً من أن ينتهي المطاف بهياكل الطائرات في مقابر الخردة، تم منحها حياة جديدة كجزء من صرح رياضي، مما يقلل من النفايات والانبعاثات الكربونية. وقد أشادت وزارة الرياضة الفرنسية بالمشروع باعتباره “نموذجاً للرياضة الخضراء”، ومن المرجح أن يلهم هذا التصميم أندية ومدناً أخرى حول العالم لتبني حلول معمارية أكثر استدامة في المستقبل. ومع استمرار أعمال التوسعة لرفع الطاقة الاستيعابية إلى 32 ألف متفرج بحلول أغسطس المقبل، يؤكد ملعب ستراسبورغ أنه ليس مجرد مكان لمشاهدة كرة القدم، بل هو شهادة على أن الإبداع يمكن أن يجمع بين الشغف الرياضي والمسؤولية البيئية.


