عندما تتبنى دولة ما رؤية ترتكز على “جودة الحياة”، فإنها تلتزم ببناء جيل يتمتع بصحة جسدية وعقلية ونفسية سليمة. وتُعتبر المدارس، وخاصة الحكومية منها، المحضن الأساسي لتحقيق هذه الرؤية، حيث يُفترض أن تكون بيئة داعمة لنمو الطلاب وتطورهم الشامل، من خلال توفير وعي علمي ومعرفي وثقافي، وتحسين وظائفهم الحيوية.
لكن في خضم هذا السعي، تبرز إشكالية مزمنة لم تحظ بالاهتمام الكافي من قِبل مسؤولي التعليم، وهي مشكلة الحقائب المدرسية الثقيلة. فهذه الحقائب، التي يحملها الطلاب والطالبات يوميًا، غالبًا ما تتجاوز أوزانها النسب الموصى بها عالميًا، مما يحولها من أداة للعلم إلى عبء يهدد صحتهم. إن تكليف أطفال صغار بحمل أوزان تفوق قدرتهم الجسدية يتسبب في مشاكل صحية خطيرة، أبرزها آلام الظهر والكتفين المزمنة، وتشوهات العمود الفقري مثل الجنف (Scoliosis)، فضلًا عن الإرهاق الجسدي الذي يؤثر سلبًا على تركيزهم وتحصيلهم الدراسي.
السياق العالمي والمخاطر الصحية
ليست هذه المشكلة محلية فحسب، بل هي قضية صحية وتعليمية عالمية. توصي الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال ومنظمات صحية أخرى بأن لا يتجاوز وزن حقيبة الظهر 10% إلى 15% من وزن جسم الطفل. إن تجاهل هذه الإرشادات يعرض الأطفال لمخاطر طويلة الأمد، حيث إن الهيكل العظمي في مرحلة الطفولة يكون في طور النمو، وأي ضغط مستمر عليه قد يؤدي إلى أضرار دائمة. يضاف إلى ذلك، المعاناة اليومية للطلاب أثناء صعود وهبوط سلالم المدارس متعددة الطوابق، مما يسبب لهم ضيقًا في التنفس وإجهادًا، وهو أمر يزداد صعوبة خلال فترات مثل شهر رمضان.
تناقض في عصر الرقمنة وحقوق الطفل
من المفارقات أننا نعيش في عصر رقمي متقدم، حيث أصبحت التكنولوجيا جزءًا لا يتجزأ من حياتنا، ومع ذلك ما زلنا نعتمد بشكل كبير على الكتب والدفاتر الورقية الثقيلة. لماذا نرهق كاهل أطفالنا بهذه الأحمال الزائدة بينما يمكن استبدالها بسهولة بجهاز لوحي خفيف يحمل المناهج الدراسية كاملة؟ إن الإصرار على الطرق التقليدية لا يعكس فقط فشلًا في مواكبة العصر، بل يتعارض أيضًا مع التوجهات الوطنية والدولية لحماية حقوق الطفل، والتي تنص على ضرورة حماية الأطفال من كل ما قد يلحق بهم الأذى الجسدي أو النفسي.
إن مطالبة الأطفال بالاهتمام بصحتهم بينما نجبرهم على حمل هذه الأثقال هو تناقض صارخ، يجسده قول الشاعر العربي: “ألقاهُ في اليمّ مكتوفًا وقال له؛ إياك إياك أن تبتلّ بالماء”. لذا، بات من الضروري على الجهات المعنية في وزارتي التعليم والصحة التعاون لوضع معايير واضحة لأوزان الحقائب المدرسية، وتفعيل الحلول البديلة كالخزائن المدرسية، وتقسيم الكتب، وتسريع وتيرة التحول الرقمي في التعليم، لضمان توفير بيئة تعليمية صحية وآمنة تليق بجيل المستقبل وتحقق بالفعل رؤية “جودة الحياة”.


