في خطوة محورية تعكس تطلعات السودان نحو التعافي والاستقرار، استأنف بنك السودان المركزي عملياته بشكل رسمي من داخل ولاية الخرطوم يوم الثلاثاء. هذا الإعلان الهام جاء على لسان محافظ البنك، آمنة ميرغني التوم، التي قادت فريقاً من العاملين العائدين لمباشرة مهامهم من العاصمة. وقد نشر الحساب الرسمي للبنك المركزي على فيسبوك صوراً توثق هذه اللحظة التاريخية، مؤكداً على عودة الحياة تدريجياً إلى شرايين الاقتصاد الوطني.
في خطابها للعاملين، أكدت المحافظ التوم أن عودة البنك المركزي إلى الخرطوم ليست مجرد استئناف لعملياته، بل هي دليل قاطع على دخول البلاد مرحلة التعافي وإعادة الإعمار بعد فترة عصيبة. وأشادت بالدور المحوري الذي لعبه البنك المركزي في تثبيت دعائم الدولة خلال فترة الحرب، معتبرة أن المعركة مستمرة لإعادة الإعمار. وشددت على أن هذه العودة تمثل انتقال الاقتصاد السوداني من مرحلة الصمود إلى مرحلة التعافي، واعدةً ببذل كل الجهود لدعم مسيرة التنمية والإعمار، ومثمنةً دور القوات المسلحة السودانية والقوات المساندة لها التي مكنت من تحقيق هذه العودة.
تأتي هذه العودة في ظل سياق تاريخي واقتصادي معقد يمر به السودان. فقبل اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 بين قوات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، كان الاقتصاد السوداني يعاني بالفعل من تحديات هيكلية كبيرة، بما في ذلك ارتفاع معدلات التضخم، والديون الخارجية المتراكمة، وتأثير العقوبات الدولية السابقة. وقد فاقمت الحرب هذه الأوضاع بشكل كارثي، حيث أدت إلى تدمير واسع النطاق للبنية التحتية، وتعطيل شبه كامل للأنشطة الاقتصادية، وهروب رؤوس الأموال، وتوقف العديد من الخدمات المصرفية والمالية. لقد تسببت الحرب في مقتل الآلاف ونزوح ملايين السودانيين من ديارهم، فيما تصفه المنظمات الدولية بأنه أسوأ كارثة إنسانية في العالم حالياً، حيث تشير أحدث بيانات الأمم المتحدة إلى نزوح 9.3 مليون شخص داخل البلاد وفرار أكثر من 4.3 مليون عبر الحدود.
إن عودة بنك السودان المركزي إلى العاصمة تحمل دلالات عميقة وتأثيرات متعددة الأبعاد. على الصعيد المحلي، تمثل هذه الخطوة دفعة قوية للثقة في الاقتصاد السوداني، وتشجع على عودة الأنشطة التجارية والمالية تدريجياً. ستسهم في تسهيل المعاملات المصرفية، وتوفير السيولة اللازمة، ودعم جهود إعادة الإعمار التي تتطلب تمويلاً ضخماً. كما أنها تعزز قدرة الحكومة على إدارة الشؤون المالية، ودفع الرواتب، وتمويل الخدمات الأساسية للمواطنين، مما يمهد الطريق لاستقرار أكبر في الأسواق.
أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن استئناف عمل البنك المركزي من الخرطوم يبعث برسالة إيجابية للمجتمع الدولي مفادها أن السودان يتجه نحو استعادة مؤسساته السيادية ووظائفها الحيوية. هذا قد يفتح الباب أمام استئناف المساعدات الدولية، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتسهيل المفاوضات بشأن تخفيف الديون وإعادة جدولة الالتزامات المالية. كما يعزز من فرص السودان في إعادة الاندماج مع المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وهو أمر حيوي لتحقيق الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل. إن استقرار السودان، بحكم موقعه الاستراتيجي، له تأثير مباشر على الأمن والتجارة في منطقة القرن الأفريقي وشرق أفريقيا.
على الرغم من أهمية هذه الخطوة، إلا أن الطريق نحو التعافي الكامل لا يزال طويلاً ومليئاً بالتحديات. فإلى جانب الأزمة الإنسانية المستمرة، يواجه السودان تحديات تتعلق بالاستقرار السياسي، وتأمين المناطق المتضررة، وإعادة بناء البنية التحتية المدمرة، وتنفيذ إصلاحات اقتصادية شاملة. ومع ذلك، فإن عودة بنك السودان المركزي إلى الخرطوم تمثل نقطة تحول رمزية وعملية، تؤكد على إرادة الشعب السوداني ومؤسساته في تجاوز المحنة وبناء مستقبل أفضل.


