يواجه السودان، هذا البلد الشاسع ذو الأهمية الاستراتيجية في قلب إفريقيا، أزمة إنسانية وسياسية غير مسبوقة منذ اندلاع النزاع المسلح بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023. في ظل هذه الظروف المعقدة، استنفر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، المجتمع الدولي من جنيف، داعياً إياه لدعم مبادرة السلام التي طرحتها حكومته. تهدف هذه المبادرة إلى وضع حد فوري للاقتتال الدائر، وتمهيد الطريق أمام استقرار مستدام يعيد البلاد إلى مسار التعافي والتنمية. جاءت هذه الدعوة الملحة خلال سلسلة من اللقاءات الهامة التي عقدها إدريس مع مسؤولين أمميين رفيعي المستوى، مؤكداً على ضرورة تضافر الجهود الدولية لإنقاذ السودان من ويلات الحرب.
لم يأتِ هذا النزاع من فراغ، بل هو تتويج لسلسلة من التوترات السياسية والعسكرية التي أعقبت الإطاحة بنظام الرئيس السابق عمر البشير في عام 2019. كان السودان يمر بمرحلة انتقالية هشة نحو الحكم المدني، لكن الخلافات العميقة حول دمج قوات الدعم السريع – التي نشأت تاريخياً من ميليشيات الجنجويد في دارفور – ضمن الجيش الوطني، بالإضافة إلى الصراع على السلطة والموارد، أدت إلى تفجر الأوضاع. تحولت الخرطوم ومدن أخرى إلى ساحات حرب، مخلفة دماراً هائلاً ومعاناة إنسانية لا توصف.
خلال لقاءاته المنفصلة مع المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، ومديرة المنظمة الدولية للهجرة، إيمي بوب، قدم رئيس الوزراء إدريس عرضاً مفصلاً لما وصفه بـ “الفظائع والانتهاكات غير المسبوقة” التي ارتكبتها قوات الدعم السريع بحق المدنيين. هذه الاتهامات تشمل القتل العشوائي، والعنف الجنسي، ونهب الممتلكات، وتدمير البنى التحتية الحيوية، مما أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية بشكل كارثي. لقد تحول الصراع إلى ما يشبه “حرب الوكالة”، حيث تستهدف قوات الدعم السريع الدولة ومواطنيها، مما يهدد النسيج الاجتماعي والوحدة الوطنية للسودان.
تتضمن المبادرة الحكومية رؤية متكاملة لإنهاء النزاع وتحقيق سلام مستدام، مع التركيز بشكل خاص على حماية حقوق الإنسان وتطويرها، إلى جانب الجوانب المتعلقة بالعمل الإنساني. أكد إدريس أن المبادرة تمثل خارطة طريق شاملة لمعالجة جذور الأزمة، وتهدف إلى إعادة بناء الثقة بين الأطراف، وتوفير بيئة آمنة لعودة النازحين واللاجئين. إن دعم المجتمع الدولي لهذه المبادرة ليس مجرد مساعدة للسودان، بل هو استثمار في الاستقرار الإقليمي والدولي، نظراً لموقع السودان الحيوي وتأثيره على دول الجوار وحوض النيل والبحر الأحمر.
تطرق إدريس في لقائه مع مديرة المنظمة الدولية للهجرة إلى الأوضاع الإنسانية المتردية وأزمة النزوح الواسعة، حيث نزح ما يقرب من 15 مليون شخص داخل السودان أو لجأوا إلى الدول المجاورة منذ أبريل 2023. هذه الأرقام الفادحة تجعلها واحدة من أسوأ أزمات النزوح في العالم. أكد رئيس الوزراء على تطلع حكومته لدور أكبر للمنظمة الدولية للهجرة في دعم العودة الطوعية للسودانيين، وإعادة إدماجهم، وتحقيق التعافي المبكر. كما شدد على ضرورة ربط الجهود الإنسانية بالمسار التنموي، ومعالجة أوضاع السودانيين في دول المهجر والتحديات التي تواجه العائدين، لضمان كرامتهم واستقرارهم.
جدد رئيس الوزراء السوداني التزام حكومته بتسهيل عمل المنظمات الإنسانية وضمان سلامة العاملين في هذا المجال، مع التأكيد على احترام السيادة الوطنية والتنسيق عبر الآليات الحكومية المعتمدة. إن هذه الدعوة تأتي في وقت حرج، حيث تتفاقم المأساة الإنسانية يوماً بعد يوم، وتتزايد أعداد الضحايا الذين تجاوزوا عشرات الآلاف. يتطلب الوضع في السودان استجابة دولية منسقة وفورية، ليس فقط لوقف إطلاق النار، بل لدعم عملية سياسية شاملة تؤدي إلى سلام دائم وتجنب المزيد من التفكك للدولة السودانية، الذي ستكون له تداعيات وخيمة على المنطقة بأسرها.


