فاجعة منجم أم فكرون: 13 قتيلاً و6 جرحى في انهيار مأساوي يلقي الضوء على تحديات التعدين في السودان
شهدت ولاية جنوب كردفان السودانية حادثاً مأساوياً هزّ الأوساط المحلية والدولية، حيث لقي 13 من عمال مناجم الذهب حتفهم وأصيب 6 آخرون بجروح، في انهيار مروع لأحد المناجم. وقد وقع هذا الانهيار في آبار مهجورة بمنجم أم فكرون يوم الجمعة الماضي، وفقاً لما أعلنته الشركة السودانية للموارد التعدينية يوم الأربعاء. وأوضحت الشركة أن الآبار المنهارة كانت قد توقفت عن العمل وتم إهمالها، إلا أن بعض المعدّنين تسللوا إليها وقاموا بالعمل فيها بطريقة غير قانونية وغير آمنة، في سعي يائس لكسب لقمة العيش.
تُعد السودان، ثالث أكبر دولة في أفريقيا من حيث المساحة، من بين أكبر منتجي الذهب في القارة، حيث يحتل المرتبة الثالثة في الإنتاج. ويعود تاريخ استخراج الذهب في السودان إلى آلاف السنين، منذ عهد الحضارات النوبية القديمة. وفي العقود الأخيرة، ومع فقدان البلاد لجزء كبير من عائداتها النفطية بعد انفصال جنوب السودان، تزايد الاعتماد على الذهب كمصدر رئيسي للعملة الصعبة. ومع ذلك، فإن الجزء الأكبر من الذهب المستخرج يأتي من عمليات التعدين التقليدية والصغيرة النطاق، والتي تفتقر بشدة إلى إجراءات السلامة الأساسية. وغالباً ما يستخدم هؤلاء المعدّنون مواد كيميائية خطرة مثل الزئبق والسيانيد، مما لا يعرض حياتهم للخطر المباشر فحسب، بل يتسبب أيضاً في انتشار واسع لأمراض بيئية وصحية في المناطق المجاورة، ويؤثر سلباً على التربة والمياه.
لقد فاقمت الحرب الأهلية الدائرة في السودان منذ أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع من هذه الأزمة الإنسانية والاقتصادية. فقد أدت هذه الحرب إلى تدمير واسع النطاق للبنية التحتية، وشلّت الاقتصاد الوطني، وتسببت في فقدان ملايين السودانيين لوظائفهم ومصادر دخلهم. وفي ظل هذا الواقع المرير، يجد الكثيرون أنفسهم مضطرين للجوء إلى التعدين غير المنظم والخطير كوسيلة وحيدة للبقاء على قيد الحياة، متجاهلين المخاطر الجسيمة التي قد تودي بحياتهم، كما حدث في منجم أم فكرون.
إن تداعيات هذه الحوادث لا تقتصر على الخسائر البشرية المباشرة فحسب، بل تمتد لتشمل آثاراً اقتصادية واجتماعية عميقة. فعلى المستوى المحلي، تُفقد الأسر عائليها، وتُحرم المجتمعات من قواها العاملة، مما يزيد من دائرة الفقر والحرمان. وعلى الصعيد الإقليمي والدولي، يواجه المسؤولون السودانيون تحدياً كبيراً في مكافحة تهريب كميات هائلة من الذهب عبر الحدود، بما في ذلك إلى دول مثل تشاد وجنوب السودان. هذا التهريب لا يحرم الدولة من عائدات ضريبية واستثمارية حيوية فحسب، بل يُعتقد أيضاً أنه يغذي الصراعات المسلحة ويزعزع الاستقرار الإقليمي، مما يجعل الذهب السوداني مصدراً للتمويل غير المشروع.
تتطلب هذه الأوضاع المأساوية تدخلاً عاجلاً وشاملاً. فالحاجة ماسة إلى وضع وتنفيذ سياسات صارمة لتنظيم قطاع التعدين التقليدي، وتوفير بدائل اقتصادية آمنة للمعدّنين، وتطبيق معايير السلامة المهنية. كما يجب على الحكومة السودانية، بدعم من المجتمع الدولي، تكثيف جهودها لمكافحة تهريب الذهب وتجفيف مصادر تمويل الجماعات المسلحة. إن فاجعة منجم أم فكرون هي تذكير مؤلم بالثمن الباهظ الذي يدفعه الأبرياء في ظل غياب الأمن والاستقرار، وتؤكد على ضرورة إيجاد حلول مستدامة تضمن كرامة الإنسان وسلامته في هذا البلد الذي يمتلك ثروات طبيعية هائلة.


