في تطورات ميدانية متسارعة تعكس تصاعد حدة الصراع في السودان، تمكن الجيش السوداني من تحقيق تقدم عسكري ملحوظ في إقليم النيل الأزرق وولاية جنوب كردفان، وهما منطقتان استراتيجيتان تشهدان مواجهات عنيفة. هذه التحركات تأتي في سياق حرب شاملة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، تتخللها مشاركة أطراف أخرى مثل الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال (جناح عبد العزيز الحلو)، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني والإنساني في البلاد.
السيطرة على مناطق حيوية في النيل الأزرق
أكدت مصادر عسكرية وشهود عيان أن قوات الجيش السوداني بسطت سيطرتها الكاملة على منطقة السِلَّك بمحلية باو في إقليم النيل الأزرق، الواقعة على بُعد نحو 150 كيلومتراً جنوب غربي مدينة الدمازين، حاضرة الإقليم. جاء هذا التقدم عقب اشتباكات ميدانية عنيفة استمرت لساعات، تمكنت خلالها وحدات الجيش من صد هجوم مزدوج شنته قوات الدعم السريع والحركة الشعبية شمال (جناح عبد العزيز الحلو) على منطقتي مَلْكَن والسِلَّك. وقد نفذت قوات الجيش عمليات تمشيط وتطهير واسعة للمنطقة لضمان تأمينها بشكل كامل.
ووفقاً للمصادر، تراجعت القوات المهاجمة إلى منطقتي أولو، التي تُعد المعسكر الرئيسي للحركة الشعبية، والفوج. وتزامنت هذه التطورات مع تقارير عن وصول إمدادات لوجستية عبر الحدود السودانية مع إثيوبيا إلى قوات الدعم السريع والحركة الشعبية شمال المتمركزة في أولو، أقصى جنوب غربي الإقليم، مما يشير إلى استمرار الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة وتأثيره على ديناميكيات الصراع.
تأمين مناطق التماس في جنوب كردفان
بالتوازي مع التقدم في النيل الأزرق، أحرز الجيش السوداني سيطرة على منطقة هبيلا شرقي مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان. هذه العملية تأتي ضمن جهود الجيش لتأمين مناطق التماس وملاحقة القوات المناوئة التي كانت تتواجد في المنطقة، بما في ذلك قوات الدعم السريع والحركة الشعبية شمال جناح عبد العزيز الحلو. وقد سبقت السيطرة على هبيلا عمليات تمشيط واسعة النطاق شملت مناطق كرتالا وكلوجي والتيتل، مدعومة بقوات العمل الخاص والقوات المشتركة، مما يعكس استراتيجية عسكرية متكاملة لتطهير هذه الجيوب.
السياق العام والخلفية التاريخية للصراع
تندرج هذه التطورات ضمن الحرب الأهلية الدائرة في السودان منذ منتصف أبريل 2023، والتي اندلعت بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو “حميدتي”. وقد تحولت هذه الحرب إلى صراع متعدد الأوجه يشمل مناطق واسعة من البلاد، بما في ذلك الخرطوم ودارفور والولايات الشرقية والجنوبية. إقليم النيل الأزرق وجنوب كردفان لهما تاريخ طويل من الصراعات والتوترات، حيث شهدتا حركات تمرد مسلحة لعقود، خاصة من قبل الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال، التي تطالب بالحكم الذاتي وتوزيع عادل للثروة والسلطة. هذه المناطق غنية بالموارد الطبيعية وتتميز بتنوعها الإثني، مما يجعلها نقاطاً استراتيجية حيوية في أي صراع للسيطرة على البلاد.
الأهمية الاستراتيجية والتأثيرات المتوقعة
تكتسب السيطرة على مناطق مثل السِلَّك وهبيلا أهمية استراتيجية بالغة. فمنطقة السِلَّك في النيل الأزرق تقع بالقرب من الحدود مع جنوب السودان وإثيوبيا، مما يجعلها ممراً محتملاً للإمدادات والتحركات العسكرية. كما أن السيطرة عليها يمكن أن تعزز من قدرة الجيش على قطع خطوط إمداد الخصوم أو تأمين طرق حيوية. أما هبيلا في جنوب كردفان، فهي جزء من منطقة جبال النوبة التي تُعد معقلاً تاريخياً للحركة الشعبية، والسيطرة عليها قد تمثل ضربة معنوية ولوجستية للقوات المناوئة.
التأثير المحلي والإنساني
على الصعيد المحلي، من المرجح أن تؤدي هذه العمليات العسكرية إلى تفاقم الأزمة الإنسانية. فالمناطق المتأثرة بالصراع تشهد بالفعل نزوحاً جماعياً للسكان، وتدميراً للبنية التحتية، ونقصاً حاداً في الغذاء والدواء والخدمات الأساسية. توسع العمليات العسكرية إلى مناطق جديدة يزيد من أعداد النازحين داخلياً واللاجئين إلى الدول المجاورة، ويصعب من وصول المساعدات الإنسانية التي تشتد الحاجة إليها. كما أن استمرار القتال يهدد بتفكك النسيج الاجتماعي ويزيد من معاناة المدنيين الأبرياء.
الانعكاسات الإقليمية والدولية
إقليمياً، يثير استمرار الصراع في هذه المناطق الحدودية قلقاً كبيراً. فوصول الإمدادات عبر الحدود الإثيوبية، على سبيل المثال، قد يؤدي إلى توترات إقليمية ويُعقد جهود الوساطة. كما أن تدفق اللاجئين السودانيين إلى دول الجوار مثل جنوب السودان وإثيوبيا ومصر وتشاد يضع ضغوطاً هائلة على موارد هذه الدول واستقرارها. دولياً، تُعد الأزمة السودانية من أكبر الأزمات الإنسانية المنسية، وتُشكل تحدياً للمجتمع الدولي الذي يسعى لإيجاد حل سلمي للصراع، لكنه يواجه صعوبات جمة في ظل غياب إرادة سياسية حقيقية من الأطراف المتحاربة لوقف إطلاق النار والجلوس إلى طاولة المفاوضات.
في الختام، تُظهر التطورات الأخيرة في النيل الأزرق وجنوب كردفان أن الصراع في السودان لا يزال في مرحلة التصعيد العسكري، مع سعي كل طرف لتحقيق مكاسب ميدانية. هذه المكاسب، وإن كانت مهمة للأطراف المتحاربة، إلا أنها تأتي على حساب المدنيين الأبرياء وتزيد من تعقيد مسار البحث عن حل سلمي وشامل ينهي هذه المأساة الإنسانية.


