في تطور ميداني بارز يعكس تحولاً محتملاً في مسار الصراع السوداني، أعلنت القوات المسلحة السودانية عن نجاحها في فك الحصار عن مدينة كادوقلي، عاصمة ولاية جنوب كردفان، بعد معارك عنيفة وتبادل للقصف مع قوات الدعم السريع. يأتي هذا الإنجاز الاستراتيجي عقب أيام قليلة من تمكن الجيش من فك حصار مدينة الدلنج المجاورة، مما يمثل تقدماً مهماً يعزز من موقف القوات الحكومية في هذه المنطقة الحيوية.
تعد هذه العملية جزءاً من صراع أوسع نطاقاً بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، الذي اندلع في أبريل 2023، وألقى بظلاله على معظم أنحاء البلاد، مسبباً أزمة إنسانية غير مسبوقة. لطالما كانت ولاية كردفان، المعروفة بخصوبتها وموقعها الاستراتيجي، مسرحاً رئيسياً لهذه الاشتباكات. وبعد سقوط مدينة الفاشر، آخر معاقل الجيش في إقليم دارفور المجاور، في أكتوبر من العام الماضي، ركزت قوات الدعم السريع جهودها بشكل مكثف على كردفان، مما زاد من أهمية السيطرة على مدنها الرئيسية.
التقدم نحو كادوقلي لم يكن سهلاً، فقد سبقه تحقيق مكاسب ميدانية حاسمة. بدأ الجيش السوداني بفك حصار مدينة الدلنج، التي دخلت على خط المواجهة منذ بدايات الحرب. وفي الأسبوع الماضي، نجحت القوات في فتح ممرين في محيط الدلنج، مما مهد الطريق لعملية أوسع. بعد ذلك، تمكن الجيش من السيطرة على منطقة الدشول الاستراتيجية، الواقعة على الطريق القومي الحيوي الذي يربط بين الدلنج وكادوقلي. انطلقت وحدات عسكرية من الدلنج وتقدمت نحو كادوقلي عبر محاور متعددة، مدعومة بقصف جوي مكثف بالطائرات المسيّرة استهدف مواقع قوات الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال، التي يعتقد أنها متحالفة مع الدعم السريع في هذه المنطقة. وقد أفاد مصدر عسكري في وقت سابق بأن ضربة نفّذتها طائرة مسيّرة استهدفت مبنى مفوضية العون الإنساني الحكومية في الدلنج، مما يسلط الضوء على كثافة العمليات العسكرية.
تتمتع كادوقلي، الواقعة على بعد نحو 700 كيلومتر جنوب غربي العاصمة الخرطوم، بأهمية استراتيجية قصوى لكلا طرفي الصراع. تاريخياً، كانت المدينة في قلب الحروب الأهلية السودانية لعقود، وكانت هدفاً متكرراً لقوات “الجيش الشعبي لتحرير السودان” بقيادة نائب الرئيس السوداني الراحل جون قرنق منذ اندلاع التمرد في مطلع ثمانينيات القرن الماضي. وبعد استقلال دولة جنوب السودان، برزت كادوقلي مجدداً ضمن أولويات الحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، التي دخلت في تحالفات مع أطراف مختلفة، بما في ذلك قوات الدعم السريع في السياق الحالي. هذه الأهمية التاريخية والجغرافية تجعل السيطرة عليها نقطة تحول محتملة في موازين القوى.
على الصعيد الإنساني، كانت تداعيات الحصار والاشتباكات كارثية. أعلنت الأمم المتحدة أن نحو 80% من سكان كادوقلي، أي ما يعادل حوالي 147 ألف شخص، قد فروا من المدينة بحثاً عن الأمان والمأوى. ووصف الأمين العام للمجلس النرويجي للاجئين، يان إيغلاند، جنوب كردفان بأنها “أخطر جبهة في السودان وأكثرها إهمالاً”، محذراً من أن مدناً بأسرها تواجه الجوع، مما يجبر العائلات على الفرار بلا أي شيء. وأضاف إيغلاند أن هناك “كارثة من صنع الإنسان تتسارع نحو سيناريو كابوسي”، مما يؤكد الحاجة الملحة للمساعدات الإنسانية والتدخل الدولي.
يعتقد مراقبون أن فك الحصار عن كادوقلي والدلنج يمثل تقدماً ميدانياً مهماً للجيش السوداني، من شأنه تعزيز موقعه في تأمين بقية المدن الاستراتيجية في إقليم كردفان، وعلى رأسها مدينة الأبيّض عاصمة شمال كردفان، التي تعد مركزاً اقتصادياً ولوجستياً حيوياً. كما يمنح هذا التقدم الجيش قدرة أكبر على التحرك غرباً باتجاه بسط السيطرة على ولاية غرب كردفان، مما قد يغير بشكل كبير الخريطة العسكرية للصراع. هذا الانتصار قد يعزز من معنويات القوات الحكومية ويؤثر على مسار أي مفاوضات مستقبلية، بينما يضع ضغوطاً إضافية على قوات الدعم السريع وحلفائها في المنطقة.


