spot_img

ذات صلة

عودة الحكومة السودانية للخرطوم: استقرار وتنمية بعد الحرب

في خطوة محورية تؤكد استعادة مؤسسات الدولة السودانية لحضورها الفاعل بعد فترة عصيبة من التوقف والانتقال الاضطراري، أعلن رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس عودة الحكومة لممارسة مهامها بشكل كامل من العاصمة الخرطوم. يمثل هذا الإعلان نقطة تحول مهمة في مسار البلاد نحو التعافي والاستقرار، بعد أن اضطرت الحكومة للانتقال إلى بورتسودان بسبب الأوضاع الأمنية المتدهورة التي نجمت عن الصراع المسلح.

السياق التاريخي للصراع وتداعياته:

تعود جذور الأزمة الحالية إلى اندلاع القتال العنيف بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في منتصف أبريل 2023. هذا الصراع، الذي جاء بعد سنوات من الاضطرابات السياسية ومحاولات الانتقال الديمقراطي عقب الإطاحة بنظام الرئيس السابق عمر البشير، ألقى بظلاله الكثيفة على المشهد السوداني. تحولت الخرطوم، قلب السودان السياسي والاقتصادي، إلى ساحة معارك ضارية، مما ألحق دماراً واسعاً بالبنية التحتية والمؤسسات الحكومية والخدمات الأساسية. وقد أدت هذه الأحداث إلى نزوح داخلي وخارجي غير مسبوق، وتفاقم أزمة إنسانية حادة، مما دفع الحكومة إلى نقل مقارها وأعمالها التنفيذية إلى بورتسودان، على البحر الأحمر، لضمان استمرارية عمل الدولة.

رسالة طمأنة وتعهدات حكومية:

أكد رئيس الوزراء إدريس أن عودة الحكومة إلى الخرطوم تحمل في طياتها رسالة طمأنة قوية للمواطنين، وتعكس التزام الحكومة الراسخ بالعمل من قلب العاصمة. دعا إدريس إلى التكاتف الوطني ورص الصفوف لتجاوز التحديات الراهنة، ووضع البلاد على مسار التعافي الشامل والاستقرار الدائم. وفي كلمة ألقاها أمام حشد جماهيري فور وصوله إلى الخرطوم، اليوم (الأحد)، شدد على أن حكومته تضع تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين على رأس أولوياتها. وتعهد بالعمل الجاد على توفير الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء والمياه، إلى جانب تأهيل المدارس وإعادة تشغيل الجامعات، وفي مقدمتها جامعة الخرطوم العريقة، التي تعد منارة للعلم والمعرفة في المنطقة.

رؤية اقتصادية وموازنة طموحة:

في سياق حديثه عن الخطط المستقبلية، أفاد إدريس بأن حكومته طرحت موازنة العام 2026 دون فرض أعباء إضافية على المواطن. وأكد أن هذه الموازنة تستهدف معالجة الاختلالات الاقتصادية الهيكلية وتحسين المؤشرات الكلية للاقتصاد السوداني. كما أفصح عن توقعات إيجابية بانخفاض معدل التضخم إلى نحو 70%، وارتفاع معدل الناتج المحلي الإجمالي إلى 10%، إضافة إلى تضييق الفجوة بين سعر الصرف الرسمي للدولار والسعر المتداول في السوق الموازية، وهي مؤشرات تعكس تفاؤلاً حذراً بإمكانية تحقيق استقرار اقتصادي.

“عام السلام” وإعادة الإعمار:

رجح رئيس الوزراء أن يكون عام 2026 “عام السلام”، واصفاً إياه بأنه “سلام الشجعان والمنتصرين والفرسان”. وعبر عن أمله في أن يقود هذا السلام إلى تحقيق استدامة التنمية وإعادة بناء ما دمرته الحرب، وهي مهمة جبارة تتطلب تضافر الجهود الوطنية والدولية. جاء هذا الإعلان خلال فعالية رسمية أُقيمت في ولاية الخرطوم، حيث ظهر رئيس الوزراء على منصة الولاية، مؤكداً أن عودة الحكومة تمثل بداية مرحلة جديدة لإعادة تفعيل العمل التنفيذي والخدمي من داخل العاصمة. ومن المقرر أن تُقام فعالية موسعة في مقر أمانة حكومة ولاية الخرطوم، تتضمن ترتيبات تنظيمية ولوجستية خاصة بانتقال المؤسسات الحكومية.

التحديات المستقبلية والآمال المعقودة:

تجيء عودة الحكومة في ظل مساعٍ حثيثة لإعادة الحياة الإدارية والخدمية إلى العاصمة، وتأكيد رمزية الخرطوم كمركز سياسي للدولة، رغم استمرار التحديات الأمنية والإنسانية في عدد من المناطق السودانية. فبينما شهدت بعض المناطق تحسناً نسبياً في الوضع الأمني، لا تزال هناك حاجة ماسة لجهود مكثفة لترسيخ الأمن والاستقرار في جميع أنحاء البلاد. وقد أعلنت السلطات السودانية خلال الأشهر الماضية، أكثر من مرة، خططاً تدريجية لإعادة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم، بالتوازي مع بدء أعمال تأهيل للمقار الحكومية والخدمية المتضررة. ويتوقع أن تشكل إعادة الإعمار مهمة ضخمة، حيث تقدر الحكومة تكلفتها بنحو 700 مليار دولار على مستوى السودان ككل، نصفها تقريباً مخصص للخرطوم وحدها. هذه الأرقام تعكس حجم الدمار والجهد المطلوب لإعادة بناء ما خلفته الحرب، وتؤكد الحاجة الماسة لدعم دولي واسع النطاق لتمكين السودان من تجاوز هذه المرحلة الصعبة والعودة إلى مسار التنمية والازدهار.

spot_imgspot_img