في تاريخ الكويت الثقافي والفكري، تبرز أسماء لامعة أسهمت في إرساء دعائم العلم والمعرفة والثقافة منذ سنواتها المبكرة. هؤلاء الرواد، بنجومهم وأقمارهم التي تلألأت في سماء البلاد، كانوا رموزاً للعطاء المتواصل على مدى سنوات عمرهم، من خلال المقال والكتاب والنشر والعمل الأكاديمي والمناصب الإدارية والنشاط الثقافي المؤسسي وإطلاق المنتديات الفكرية. لقد كانت الثقافة ونشر الفكر التنويري في المجتمع وقيادة الوعي الوطني وتأطيره من خلال مؤسسات راسخة وعمل دؤوب، هي الشغل الشاغل لهذه الفئة، فاستحقت التكريم والإجلال والاحتفاء بها نظير ما قدمته من مساهمات، بل نظير إيمانها العميق بأن الثقافة والمعرفة والارتقاء بهما سلاح ناعم من أسلحة الأمم التي لا غنى عنها لمن ينشد صناعة أمة ناهضة، وخلق مجتمعات متنورة. ويُعد الأستاذ الدكتور سليمان إبراهيم العسكري أحد هؤلاء القامات الثقافية والفكرية والمعرفية، الذي سنستعرض في هذه المادة سيرته وجهوده لخير وطنه وأمته العربية، معتمدين في ذلك على مصادر مختارة ومتنوعة.
مسيرة عطاء معرفي متواصلة
وصفه زميله الدكتور خليفة الوقيان، في كلمة بُثت خلال برنامج تلفزيوني عن حياة العسكري، بأنه «رجل مسكون بالثقافة ومهتم بكل ما له علاقة بالمعرفة، ومن القلائل المخلصين لمبدأ أن الثقافة قوة ناعمة يجب أن تستثمر في الارتقاء بالوطن والتعريف به». كما وصفته صحيفة «الأنباء» الكويتية (31/5/2010) بـ «مهندس الثقافة»، مشيرة إلى هواياته وأفكاره وأحلامه، فقالت: «المساحة الكبرى في قلبه يحتلها وطنه وعائلته. يفتخر بأحلامه التي حققها وجعلها في الثقافة، أما السياسة فيتلخص موقفه منها بأنها عمل كبير وخطير فإن وُظفت لخدمة الوطن والشعب كانت ممارستها فضيلة، وإن وُظفت لمصالح ذاتية أصبحت رذيلة. يعشق السمك مع أنه ليس حدّاقاً، ويهوى السباحة والمشي والتنس، ولديه لذة كبيرة في التصوير الفوتوغرافي، ويرى في الكرة الوسيلة الفضلى للشباب التي تجنبهم الفراغ والانحراف. يتوجس من الديوانية التي يخاف تحولها إلى مرض كويتي مزمن، لأنها لا تواكب الزمن، وتسرق وقت الكتابة والمعرفة، وتسرق من الأطفال حياة الأسرة. الصوت الكويتي في الغناء القديم عنده كنبت الأرض وكالنبع الصادر من روح الإنسان في طربه حمد خليفة ومحمد الزويد وعوض الدوخي وعبدالله الرويشد وشادي الخليج وصالح الحريبي ونبيل شعيل، وعربياً أم كلثوم وزكريا أحمد ومحمد عبدالوهاب وأسمهان وفيروز ووديع الصافي، ويرى في الراحل الدكتور عبدالعزيز حسين نموذجاً للمثقف الذي وظف فكره وثقافته ونشاطه في بناء وطنه وهو أستاذه ومثله الأعلى، ويجد في أحمد العدواني الشاعر المفكر الذي سبق زمنه وقصّر مجتمعه عن استيعاب أفكاره».
رؤية ثقافية تتجاوز الحدود
لقد حرص سليمان إبراهيم العسكري دائماً على التشديد على أهمية الترجمة من الشرق والغرب، ويرى أنه عندما نتحدث عن الترجمة فإننا لا نتحدث عن عملية ترفيهية من أجل قراءة روايات أو دبلجة أعمال سينمائية، إنما نتحدث عن شيء أساسي ومهم في عملية التنمية في كل صورها وأشكالها. ويتمنى أن تولي الصحافة الكويتية اهتماماً أكبر بالمحتوى المنشور ثقافياً على صفحاتها لأن الصحيفة في نظره قائدة رأي لقرائها، وبالتالي المسؤولية مطلوبة تجاه القراء بالمعلومة الدقيقة والصحيحة لتنمي في قرائها الوعي والمعرفة.
يتجلى شغف العسكري بالثقافة ورموزها وأدواتها ومشكلاتها في سلسلة المقالات الشهرية التي كتبها في مجلة «العربي» الكويتية على مدار عدة سنوات، ومنها مقالات ودراسات حملت عناوين مثل: «الثقافة الغائبة»، «المستجدات والتحديات في الثقافة العربية»، «التعليم في البدء كان وسيبقى»، «الجزيرة والخليج العربي.. نصف قرن من النهضة الثقافية»، «لغتنا وتحديات الثقافة المعاصرة»، «عصر ثقافة الصورة». في كل هذه المقالات وغيرها، يعبر العسكري عما يخالج كل زملائه من أصحاب القلم والفكر من هموم، فهو القائل: «إن ما يشغل بال المثقف العربي المهموم بأمته، والمهتم بواقعها، والمنشغل بقضاياها، والمخطط لمستقبلها، ليس الجوائز والمنح، وإن كان هذا أمراً مهماً وضرورياً لحماية وضمان استقرار معاشه، بل إن ما يشغله هو حماية فكره وإبداعه، بالدرجة الأولى؛ حمايته من العزل والمنع والمصادرة والملاحقة، همه حماية حريته في أن يفكر ويجتهد ويقترح وينقد ما يراه من أوضاع معوجة في مجتمعه، فالمثقف هو العين الساهرة الفاحصة – نيابة عن جموع الناس – للأخطاء والاعوجاجات التي تحدث في المجتمع والدولة على حد سواء».
بناء الأجيال: التعليم والثقافة كركيزتين
وهو القائل، في معرض تألمه من غياب الثقافة العلمية: «حضور الثقافة العلمية لا يكون باستهلاك أدواتها، أو نشر ترجماتها، بل يراه تغييراً في نسيج الخطط القائمة في التعليم والنشر والإعلام. يرى أن حضور الثقافة العلمية يكون بتكثيف برامجها على الشاشات العربية المتناسبة والمتكاثرة كزبد ماء المحيط، وأن تكون من خلال مطبوعات دورية متاحة – كماً وكيفاً – بشكل أكبر للمواطن العربي في كل قطر عربي، وأن يتم إعادة النظر إلى منظومة الكتب المدرسية من أجل تطويرها لتلاحق ما نريده، وهو بناء عقل نقدي علمي خلاق، يستوعب الفكر العلمي الذي يقف وراء المنتج العلمي، قبل أن يستوعب المنتج ذاته، ويتعامل معه. إن التفكير العلمي سابق للإنتاج المادي، وعلينا أن نبدأ في تعليم أبنائنا طرائق هذا التفكير وأدواته، قبل أن نعلمهم استخدام تلك المنتجات المادية. هذا هو بيت القصيد في نقطة البدء ببناء مجتمعاتنا العربية، إن أردنا، وآمنا، بضرورة اللحاق بأمم العالم المتحضر». وهو من قال: «إصلاح العقول يصلح الأحوال بينما إصلاح الأحوال ليس بالضرورة أن يصلح العقول دائماً. وحقاً كذلك أن الثقافة صناعة ثقيلة، ووسمها بالثقل يعود إلى المشقة في إدارتها وإشكالات التعاطي مع التحفزات الحكومية والمجتمعية، وحرج التعامل مع المثقفين أنفسهم، وجسامة تأثيرها على الشعوب والحضارات، ويزيد الثقل ثقلاً بالعجز عن إقناع الآخرين بجدوى الصرف عليها وبجدوى آثارها».
نشأة في كنف التحولات الكبرى
وُلد سليمان بن إبراهيم العسكري في سنة 1940 بمنطقة القبلة من العاصمة الكويتية لأسرة انتقلت إلى الكويت من نجد في القرن التاسع عشر، ثم انتقل للسكن مع أسرته بمنطقة الوسط من العاصمة بجانب نقعة العبدالرزاق. ونشأ في مرحلة كانت فيها الكويت تنتقل من اقتصاد الغوص على اللؤلؤ إلى اقتصاد النفط، وتعبُر من بساطة «الفرجان» الترابية والبيوت الطينية إلى آفاق المجتمعات الحديثة. فكان لنشأته في ظل هذه التحولات أثر على شخصيته وأفكاره وطموحاته. بدأ مرحلة التعليم بالالتحاق بمدرسة الروضة التي كان يديرها آنذاك مؤسسها المربي عقاب الخطيب، ثم درس لمدة عام في المدرسة الأحمدية، ومنها انتقل مع أخيه الأكبر سناً إلى المعهد الديني، حيث أكمل دراسته حتى المرحلة الثانوية. ويتذكر العسكري سنوات دراسته في هذا المعهد فيخبرنا أنها كانت جميلة لأن السمة الطاغية على أجوائها كانت سمة التسامح والوسطية، ناهيك عن أن مناهج المعهد كانت متنوعة وتشتمل على مواد العلوم والرياضيات والموسيقى والتربية البدنية.
من القاهرة إلى مانشستر: رحلة أكاديمية وفكرية
تخرج من المعهد الديني بتفوق، ولاسيما في مادتي الأدب والتاريخ، فحصل على بعثة دراسية لإكمال تعليمه الجامعي في مصر التي وصلها في حدود عام 1957. وفي هذا السياق، أشار العسكري إلى أنه حلم في شبابه أن يكون مهندساً، لكن الأقدار وجهته إلى الدراسات الأدبية. فحينما وصل إلى القاهرة التحق بكلية دار العلوم التابعة لجامعة القاهرة، التي منحته ليسانس التاريخ، ثم واصل دراسته العليا في الكلية نفسها حتى سنة 1964، التي نال فيها شهادة الماجستير في تاريخ الخليج والجزيرة العربية. ومما لا شك فيه أن تواجده في القاهرة في تلك الفترة المزدحمة بالأحداث والأفكار والشعارات السياسية والنتائج الأدبية والفنية الرفيعة، كان ذا تأثير عليه، خصوصاً مع انغماسه في أنشطة «رابطة طلبة الكويت» الثقافية والسياسية، وانجذابه إلى أفكار حركة القوميين العرب.
قيادة ثقافية في زمن التحديات
عاد إلى الكويت في 1965، فعُرضت عليه رئاسة مكتب مقاطعة إسرائيل، فقبل العرض الذي بدا منسجماً مع أفكاره القومية والعروبية آنذاك، وظل ممسكاً بهذا المنصب إلى أن استقال في عام 1968، مستاءً ومصدوماً من هزيمة يونيو 67. ثم التحق بجامعة الكويت فعمل معيداً بقسم التاريخ إلى أن حصل على بعثة دراسية إلى بريطانيا لينال درجة الدكتوراه التي حصل عليها بالفعل عام 1984 من جامعة مانشستر عن أطروحة حول تاريخ عمان، وفي سنواته البريطانية تعرف على شعب منظم في تفكيره وعمله ويركز على المستقبل أكثر من الماضي، أي عكس شعبه العربي. وحينما عاد مكللاً بالدكتوراه عمل مدرساً لتاريخ الخليج والحضارة العربية بجامعة الكويت في الفترة من 1984 إلى 1994.
إرث ثقافي يضيء المستقبل
شكلت سنة 1994 منعطفاً هاماً في مسيرة العسكري المهنية، ففيها أقنعه قدوته والأب الروحي للثقافة والمعرفة في الكويت الأستاذ عبدالعزيز حسين بالعمل معه ومع الشاعر أحمد مشاري العدواني في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، فقبل العرض، وتولى إدارة الشؤون الإدارية والمالية والمكتبات العامة، ثم صار أميناً عاماً مساعداً للمجلس، فأميناً عاماً له حتى عام 1998. وإبان رئاسته للمجلس كان وراء العديد من الأنشطة والإنجازات، ومنها: مواصلة إصدار سلسلة كتاب «عالم المعرفة» وسلسلة «من المسرح العالمي» والإشراف على هيئتيهما التحريرية، رئاسة تحرير مجلة «عالم الفكر»، نقل كل المؤسسات الثقافية بما فيها المسرح الوطني ومجلة «العربي» من تبعيتها لوزارة الإعلام إلى تبعية المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، تنفيذ مشروع الأسابيع الثقافية الكويتية في الخارج للتعريف بالبلاد وتراثها وآدابها وفنونها، وتأسيس مهرجان القرين الثقافي وما يتبعه من فعاليات وندوات.
وبتاريخ 31 من مايو 1999، حدث المنعطف الأهم الثاني في مسيرة الرجل، ففيه اختير لتولي رئاسة مجلة «العربي» الشهيرة، خلفاً لرئيس تحريرها الثالث الدكتور محمد غانم الرميحي، ليصبح رئيس تحريرها الثاني من الجنسية الكويتية، والرابع منذ إطلاقها سنة 1958. ومنذاك وحتى عام 2012، أي على مدى 13 عاماً، نجح العسكري وفريق عمله في الإبقاء على «العربي» متوهجة ومتألقة كما كانت، بل ومجاراة لعصر السرعة والمعلومة المختصرة والمضغوطة والمكثفة والاستهلاك الثقافي، لكن دون التخلي عن رسالتها وتاريخها وأهدافها. وفي عهده ظهرت مجلة «العربي العلمي» لتعزيز الثقافة العلمية بين الشباب العربي، ومجلة «العربي الصغير» لرعاية ودعم الطفل الصغير وحثه على المطالعة والقراءة.
بعد تركه رئاسة تحرير العربي في 2012، شغل منذ عام 2015 منصب مدير المركز العربي للبحوث التربوية لدول الخليج العربية ومقره الكويت.
دور ثقافي وإعلامي في فترة الغزو
مما يُحسب للعسكري دوره الثقافي والإعلامي في فترة الغزو، حيث استقر مع أسرته في القاهرة، وبدأ من هناك، عبر الممكن والمتاح، إكمال بعض مشاريع المجلس الوطني، حتى أنه واصل إصدار أحد كتب سلسلة عالم المعرفة من القاهرة. علاوة على ذلك، أسس المركز الإعلامي الكويتي في أكتوبر 1990، الذي راح يصدر نشرة «صوت الكويت» لتوزع كل صباح مع صحيفة «الأهرام». واستعان في كل هذا بعدد من مواطنيه وبعض النبلاء المصريين ممن كانوا يعملون في الكويت وبادروا بتقديم العون مجاناً.
مؤلفات وتكريمات
الملاحظ في سيرته، أن مناصبه وأعماله الإدارية سرقته من الإنتاج العلمي، فاكتفى بمؤلفات قليلة أهمها: «التجارة والملاحة في الخليج العربي»، «كشف الغمة في تاريخ عمان»، «حلم التنوير العربي.. عبدالعزيز حسين»، وكتاب «الكويت والتنمية الثقافية». حصل العسكري على الكثير من التكريمات. فقد كُرم بمنحه عضوية مجمع اللغة العربية بدمشق في 2001، ومُنح جائزة الدولة التقديرية من بلده في 2009، وكرمته مجلة دبي الثقافية في العام نفسه، وتم تكريمه في 2007 من قبل اتحاد المؤرخين العرب، وكرمه الرئيس المصري حسني مبارك في عام 2003 ضمن نخبة من المثقفين والمفكرين العرب، وعُين عضواً في مجلس إنماء المركز القومي للترجمة بمصر، واختارته السيدة سوزان مبارك عضواً مؤسساً بمجلس إدارة المجلس المصري لكتاب الطفل، وحصدت مجلة العربي في عهد رئاسته لها جائزة مؤسسة العويس الثقافية الرفيعة في 2002.


