spot_img

ذات صلة

سويسرا تؤمن قمة G7 بـ 5000 جندي: تحول في الحياد

في خطوة تعكس تطوراً لافتاً في سياستها الخارجية والأمنية، أعلنت الحكومة السويسرية أمس (الأربعاء)، عن تعبئة نحو 5000 جندي من الجيش السويسري للمشاركة في تأمين قمة مجموعة السبع (G7) المرتقبة. ستُعقد القمة في مدينة بياريتز جنوب غرب فرنسا خلال الفترة من 15 إلى 17 يونيو 2026، وتأتي هذه الخطوة لتؤكد على التزام سويسرا المتزايد بالتعاون الأمني الإقليمي والدولي، حتى مع تمسكها بمبدأ الحياد التاريخي.

وافق المجلس الفيدرالي السويسري على نشر هذا العدد الكبير من القوات لدعم الإجراءات الأمنية المخطط لها من قبل السلطات المدنية الفرنسية، والتي ستُعقد في إيفيان ليه بان بفرنسا. على الرغم من أن رؤساء الدول والمشاركين الآخرين في القمة سيُستضافون في الغالب على الأراضي الفرنسية، إلا أن نقطة الوصول الرئيسية ستكون عبر مطار جنيف الدولي، مما يضع على عاتق سويسرا مسؤولية أمنية ولوجستية كبيرة في محيط القمة.

سياق تاريخي: الحياد السويسري وتحديات الأمن الحديث

لطالما كانت سويسرا رمزاً للحياد، وهي سياسة متجذرة بعمق في تاريخها منذ مؤتمر فيينا عام 1815، وقد ساعدتها هذه السياسة على البقاء خارج الصراعات الكبرى. ومع ذلك، فإن مفهوم الحياد السويسري قد تطور بمرور الوقت ليشمل ما يُعرف بـ “الحياد النشط”، والذي يسمح بمشاركة سويسرا في جهود حفظ السلام والمساعدات الإنسانية، وكذلك التعاون الأمني مع الدول الصديقة في ظروف محددة. هذه المشاركة في تأمين قمة G7 ليست خروجاً كاملاً عن هذا المبدأ، بل هي تفسير مرن له يعكس الحاجة المتزايدة للتعاون الأمني في عالم يواجه تهديدات معقدة ومتعددة الأوجه.

تفاصيل المهمة ودور الجيش السويسري

وبحسب بيان صادر عن وزارة الدفاع السويسرية، فإن القوات السويسرية ستعمل تحت القيادة الفرنسية ضمن إطار اتفاق ثنائي طويل الأمد بين البلدين. ستتولى هذه القوات مهمات دعم لوجستي وأمني حاسمة خارج الحدود الفرنسية مباشرة، بما في ذلك تأمين المناطق المحيطة بالموقع الرئيسي للقمة، ومراقبة الحدود الفرنسية-الإسبانية القريبة، وتوفير وحدات تدخل سريع وفرق قناصة ووحدات مضادة للطائرات المسيّرة. هذا التنوع في المهام يؤكد على القدرات العسكرية المتقدمة للجيش السويسري وقدرته على التكيف مع متطلبات الأمن الحديثة.

وأوضح المتحدث باسم الجيش السويسري أن هذه هي أكبر عملية تعبئة خارجية للجيش السويسري منذ مشاركته في حفظ السلام في كوسوفو قبل أكثر من عقدين، مما يبرز الأهمية الاستراتيجية لهذه المهمة. وأشار إلى أن التعبئة ستتم على مراحل بدءاً من أبريل 2026، وستشمل تدريبات مشتركة مكثفة مع القوات الفرنسية والألمانية لضمان التنسيق الفعال والجاهزية القصوى.

أهمية قمة G7 وتأثير المشاركة السويسرية

ستشهد قمة مجموعة السبع 2026 مشاركة قادة الدول السبع الكبرى (الولايات المتحدة، ألمانيا، بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، كندا، اليابان)، إضافة إلى ضيوف رفيعي المستوى مثل رئيس الاتحاد الأوروبي، ورئيس الوزراء الهندي، ورئيس الوزراء الأسترالي. تُعد قمم G7 منصة حيوية لمناقشة القضايا الاقتصادية والسياسية العالمية الملحة، وتتطلب مستويات أمنية غير مسبوقة لضمان سلامة القادة المشاركين وسير أعمال القمة بسلاسة. إن مشاركة سويسرا بهذه القوة الكبيرة لا تضمن فقط أمن المنطقة المحيطة بمطار جنيف، بل تعزز أيضاً الثقة الدولية في قدرة المنطقة على استضافة مثل هذه الأحداث العالمية الكبرى.

تأثيرات متعددة الأبعاد

على الصعيد المحلي، ستعزز هذه المشاركة من خبرة الجيش السويسري وتفاعله مع القوات الأجنبية، مما يرفع من مستوى جاهزيته. إقليمياً، تُظهر هذه الخطوة التزام سويسرا بأمن جيرانها وتعزز علاقاتها الثنائية مع فرنسا، التي تربطها بها اتفاقيات أمنية منذ عام 2012. دولياً، تبعث هذه المشاركة برسالة واضحة حول استعداد سويسرا للمساهمة في الاستقرار العالمي، حتى في ظل سياستها الحيادية. هذا التعاون الأمني يعكس فهماً مشتركاً بأن التحديات الأمنية الحديثة تتجاوز الحدود الوطنية وتتطلب استجابات جماعية.

يُذكر أن الدستور السويسري يسمح بمشاركة القوات المسلحة في مهمات خارجية بموافقة البرلمان إذا كانت ضمن إطار حفظ السلام أو دعم حليف، وهو ما ينطبق على هذه الحالة. وقد سبق لسويسرا أن أرسلت قوات دعم لقمة G7 في بياريتز عام 2019، حيث شارك حوالي 1300 جندي، مما يجعل المهمة الحالية توسعاً كبيراً في نطاق التعاون الأمني.

spot_imgspot_img