spot_img

ذات صلة

موازنة سوريا 2026: زيادة الإنفاق 3 أضعاف وإعادة الإعمار

سوريا: موازنة 2026 تضاعف الإنفاق بثلاثة أضعاف لمواجهة تحديات إعادة الإعمار

في ظل التحديات الاقتصادية الهائلة التي تواجهها سوريا بعد سنوات طويلة من الصراع، أعلن وزير المالية السوري، محمد برنية، عن خطة طموحة لزيادة الإنفاق الحكومي بشكل كبير في موازنة عام 2026. هذا الإعلان، الذي يشير إلى مضاعفة الإنفاق بأكثر من ثلاثة أضعاف مقارنة بعام 2025، يعكس حجم الاحتياجات الملحة للبلاد وربما رؤية الحكومة لمرحلة ما بعد الصراع.

تأتي هذه الزيادة في الإنفاق في سياق جهود إعادة الإعمار التي تعتبر حيوية لاستعادة الاستقرار والنمو الاقتصادي. فمنذ اندلاع الأزمة في عام 2011، تعرضت البنية التحتية السورية لدمار واسع النطاق، وتشير تقديرات الأمم المتحدة والعديد من المنظمات الدولية إلى أن تكلفة إعادة الإعمار قد تتجاوز مئات المليارات من الدولارات. هذا الدمار لم يقتصر على الطرق والجسور والمباني السكنية فحسب، بل امتد ليشمل القطاعات الحيوية مثل الطاقة والمياه والصحة والتعليم، مما أثر بشكل مباشر على حياة الملايين من السوريين.

حاجات عاجلة ومناطق محررة

وأوضح الوزير برنية أن هذه الزيادة في الموازنة تستهدف تلبية حاجات عاجلة، أبرزها إعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة وصيانة المنشآت النفطية الحيوية. كما شدد على ضرورة توفير الخدمات الأساسية للمناطق التي استعادتها الدولة مؤخراً، والتي أشار إليها بـ “المناطق المحررة حديثاً”. هذه المناطق، التي غالبًا ما تكون قد عانت من نقص حاد في الخدمات الأساسية خلال سنوات الصراع، تتطلب استثمارات ضخمة لإعادة الحياة إليها. ففي مقابلة مع “العربية Business”، أكد الوزير أن هذه المناطق تحتاج إلى “مئات ملايين الدولارات” من الإنفاق لتمكين سكانها من العودة إلى حياتهم الطبيعية وتوفير مقومات العيش الكريم.

تشمل “المناطق المحررة” عادةً مناطق واسعة في شرق وشمال شرق سوريا، والتي تعد سلة غذاء البلاد ومخزنها النفطي. عودة هذه المناطق إلى سيطرة الدولة تعني استعادة الوصول إلى موارد طبيعية هامة، خاصة النفط والغاز، بالإضافة إلى الأراضي الزراعية الخصبة. هذا الجانب يعزز من قدرة الدولة على تمويل جزء من احتياجاتها الداخلية ويقلل من الاعتماد على الخارج، وهو ما يفسر تأكيد الوزير على الأثر الإيجابي الكبير لعودة “الجزيرة السورية” – وهو مصطلح يشير غالبًا إلى المناطق الشرقية الغنية بالموارد – إلى إدارة الدولة على المدى المتوسط والطويل.

استراتيجية التمويل والتنمية

وفي خطوة تعكس التوجه نحو الاعتماد على الذات، استبعد الوزير برنية اللجوء إلى صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي هذا العام، مما يشير إلى أن الحكومة السورية تعتزم تمويل هذه الزيادة الكبيرة في الإنفاق من مواردها الذاتية، أو من خلال قروض وتسهيلات من دول حليفة. هذا التوجه يضع ضغوطاً إضافية على الاقتصاد السوري الذي يعاني بالفعل من العقوبات الدولية والتضخم وانهيار قيمة العملة المحلية.

وفيما يتعلق بالاستراتيجية المالية، أوضح الوزير أن وزارة المالية تركز على ثلاث أولويات رئيسية: الانضباط في إدارة المال العام، وهو أمر بالغ الأهمية في بيئة اقتصادية مضطربة لضمان كفاءة الإنفاق ومنع الهدر؛ دعم تطوير القطاع المالي، لتعزيز الشفافية وجذب الاستثمارات؛ وتحفيز التنمية الاقتصادية الشاملة، من خلال توجيه الاستثمارات نحو القطاعات المنتجة التي تخلق فرص عمل وتساهم في النمو المستدام.

التأثيرات والتحديات المستقبلية

إن مضاعفة الإنفاق الحكومي بهذا الحجم يمكن أن يكون له تأثيرات إيجابية متعددة، منها تحسين مستوى الخدمات الأساسية للمواطنين، خلق فرص عمل جديدة في قطاعي البناء والخدمات، وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي. ومع ذلك، فإن التحديات لا تزال قائمة، أبرزها كيفية تأمين التمويل اللازم في ظل العقوبات الاقتصادية، وكيفية ضمان وصول هذه الأموال إلى مستحقيها بأكبر قدر من الكفاءة والشفافية. كما أن نجاح هذه الخطط يعتمد بشكل كبير على استقرار الأوضاع الأمنية والسياسية، وعلى قدرة الحكومة على جذب الاستثمارات الداخلية والخارجية.

على المدى الإقليمي والدولي، قد يُنظر إلى هذه الخطوة كمؤشر على محاولة سوريا استعادة عافيتها الاقتصادية بشكل مستقل، مما قد يؤثر على ديناميكيات المساعدات الدولية وجهود إعادة الإعمار المستقبلية. إن قدرة سوريا على تحقيق هذه الأهداف الطموحة ستكون محط أنظار المراقبين، وستحدد إلى حد كبير مسار تعافيها في السنوات القادمة.

spot_imgspot_img