مع دخول الأزمة السورية عقدها الثاني، يبرز الحديث عن عام 2026 كمحطة مفصلية محتملة، قد تشهد تحولاً جذرياً في مسار البلاد من حالة التحارب المستمرة إلى بداية التوافق السياسي. هذا الطرح لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى تقاطعات سياسية ودولية معقدة، ويحمل في طياته آمالاً كبيرة بإنهاء واحدة من أكثر المآسي الإنسانية تعقيداً في القرن الحادي والعشرين.
خلفية الصراع: عقد من الدمار والانقسام
لفهم أهمية أي حديث عن التوافق، لا بد من العودة إلى جذور الأزمة التي اندلعت في مارس 2011. ما بدأ كاحتجاجات شعبية سلمية تطالب بالإصلاحات، سرعان ما تحول إلى صراع مسلح متعدد الأطراف، بتدخلات إقليمية ودولية عمّقت الانقسامات. على مدى السنوات الماضية، شهدت سوريا دماراً هائلاً في بنيتها التحتية، وانهياراً اقتصادياً غير مسبوق، ومأساة إنسانية تمثلت في مقتل مئات الآلاف وتشريد الملايين داخل البلاد وخارجها، مما خلق أكبر أزمة لاجئين في العالم.
وقد أدت التدخلات الخارجية إلى تعقيد المشهد، حيث دعمت روسيا وإيران الحكومة السورية، بينما قدمت دول أخرى مثل تركيا والولايات المتحدة ودول خليجية دعماً لفصائل المعارضة المختلفة. هذا الواقع حوّل سوريا إلى ساحة حرب بالوكالة، وجعل أي حل سياسي داخلي أمراً شبه مستحيل دون توافق القوى الدولية الفاعلة.
أهمية التحول نحو التوافق وتأثيره المتوقع
إن الانتقال من حالة الصراع إلى التوافق بحلول عام 2026 يحمل أهمية استراتيجية تتجاوز الحدود السورية.
- على المستوى المحلي: يمثل التوافق السياسي طوق النجاة الوحيد للسوريين لإنهاء دوامة العنف، والبدء في عملية إعادة الإعمار، وتهيئة الظروف لعودة آمنة وطوعية للاجئين والنازحين. كما يفتح الباب أمام حوار وطني شامل لمعالجة الجروح العميقة التي خلفتها الحرب، وإعادة بناء النسيج الاجتماعي على أسس جديدة من المواطنة والعدالة.
- على المستوى الإقليمي: استقرار سوريا يعني استقرار المنطقة بأكملها. فالأزمة السورية أثرت بشكل مباشر على دول الجوار مثل لبنان والأردن وتركيا والعراق، سواء عبر موجات اللجوء أو التداعيات الأمنية والاقتصادية. إن التوصل إلى حل سياسي سيخفف الضغط على هذه الدول ويساهم في إعادة رسم خريطة التحالفات الإقليمية على أسس أكثر استقراراً.
- على المستوى الدولي: لطالما كانت سوريا نقطة احتكاك رئيسية بين القوى الكبرى. إن تحقيق توافق، مدعوم بقرار مجلس الأمن 2254 الذي يدعو إلى عملية سياسية بقيادة سورية، من شأنه أن يقلل من حدة التوتر الدولي ويقدم نموذجاً لإمكانية حل الصراعات المعقدة عبر الدبلوماسية والحوار، بدلاً من المواجهة العسكرية.
يبقى الطريق نحو عام 2026 محفوفاً بالتحديات، فالانقسامات لا تزال عميقة، ومصالح الأطراف المتداخلة متضاربة. لكن الأمل يكمن في أن تكون التكلفة الباهظة للحرب قد أقنعت الجميع بأنه لا يوجد منتصر عسكري، وأن مستقبل سوريا لا يمكن بناؤه إلا من خلال التوافق والحوار.


