spot_img

ذات صلة

مصير الهدنة بين دمشق وقسد: أنباء متضاربة وتداعيات

تتجه الأنظار نحو شمال شرق سوريا مع تضارب الأنباء حول مصير الهدنة الحالية بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والتي كان من المقرر أن تنتهي مساء اليوم. هذه الهدنة، التي تحمل في طياتها الكثير من التعقيدات والتداعيات، تمثل نقطة مفصلية في المشهد السوري المتشابك.

ففي الوقت الذي نفت فيه وزارة الخارجية السورية بشكل قاطع أي تمديد للهدنة المتفق عليها، مؤكدةً عدم صحة الأنباء التي تحدثت عن موافقة الجانبين على ذلك، نقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن ثلاثة مصادر مطلعة تأكيدها أن الحكومة السورية وقوات “قسد” قد وافقتا بالفعل على تمديد وقف إطلاق النار. هذا التناقض في التصريحات يعكس حالة عدم اليقين التي تحيط بالعديد من الملفات في الأزمة السورية.

وأفادت وكالة “سانا” السورية للأنباء، نقلاً عن مصدر في وزارة الخارجية، بأنه “لا صحة لما يتم تداوله بشأن تمديد المهلة مع قسد”. ورغم عدم صدور أي إعلان رسمي مشترك حتى الآن، أشار مصدران لوكالة الأنباء الفرنسية إلى أن التمديد قد يصل إلى شهر كحد أقصى. كما أكد مصدر دبلوماسي في دمشق لوكالة الأنباء الفرنسية تمديد وقف إطلاق النار “لمهلة قد تصل إلى شهر في حد أقصى”، بينما ربط مصدر حكومي سوري آخر التمديد بـ”إتمام عملية نقل معتقلي تنظيم داعش” كأحد الأسباب الرئيسية. من جانبها، أفادت مصادر كردية مطلعة على المفاوضات بأن الهدنة ستُمدّد “إلى حين الوصول لحل سياسي يرضي الطرفين”.

خلفية الصراع وأهمية الهدنة في شمال شرق سوريا

لفهم أبعاد هذه الهدنة، يجب العودة إلى السياق الأوسع للصراع السوري الذي دخل عقده الثاني. شهدت سوريا منذ عام 2011 صراعاً متعدد الأطراف أدى إلى تقسيم مناطق السيطرة وتدخل قوى إقليمية ودولية. في شمال شرق سوريا، برزت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) كقوة رئيسية، مدعومة من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، ولعبت دوراً حاسماً في هزيمة تنظيم داعش الإرهابي. تسيطر “قسد” على مناطق واسعة غنية بالنفط والزراعة، وتسعى لإقامة إدارة ذاتية في هذه المناطق، وهو ما ترفضه دمشق التي تعتبرها جزءاً لا يتجزأ من الأراضي السورية وتسعى لاستعادة سيادتها الكاملة عليها.

الهدنة الحالية تأتي في إطار تفاهم أوسع بين الحكومة السورية و”قسد” نصّ على استكمال البحث في مستقبل دمج المؤسسات الكردية في محافظة الحسكة ضمن المؤسسات الحكومية، وذلك بعد انسحاب “قسد” من مناطق واسعة في شمال وشرق البلاد على وقع مواجهة بينها وبين القوات الحكومية السورية التي انتشرت في هذه المناطق. هذه التفاهمات تعكس محاولات مستمرة لإيجاد صيغة للتعايش أو إعادة دمج هذه المناطق تحت مظلة الدولة السورية، غالباً بوساطة روسية.

تداعيات التمديد المحتملة: استقرار إقليمي ومستقبل المعتقلين

إن تمديد الهدنة، أو عدمه، يحمل تداعيات كبيرة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، يساهم وقف إطلاق النار في تخفيف التوترات وتجنب المزيد من التصعيد العسكري الذي يؤثر سلباً على المدنيين والبنية التحتية الهشة. كما يفتح الباب أمام استكمال المفاوضات حول مستقبل الحسكة والمناطق الأخرى، وهو ما قد يؤدي إلى حلول سياسية تنهي حالة الانقسام الإداري.

إقليمياً ودولياً، ترتبط هذه الهدنة بملف بالغ الحساسية والأهمية: معتقلو تنظيم داعش. وجود عشرات الآلاف من مقاتلي داعش وعائلاتهم في مخيمات وسجون تسيطر عليها “قسد” يمثل قنبلة موقوتة تهدد الأمن الإقليمي والدولي. عملية نقل هؤلاء المعتقلين إلى جهات حكومية سورية، أو إعادة توطينهم، هي خطوة حاسمة في معالجة هذا التهديد. أي اتفاق يسهل هذه العملية يعتبر إنجازاً أمنياً كبيراً. كما أن استقرار شمال شرق سوريا يؤثر على ديناميكيات المنطقة بأسرها، بما في ذلك تركيا التي تراقب عن كثب أي تطورات تتعلق بـ”قسد” وتعتبرها تهديداً لأمنها القومي.

بين النفي والتأكيد، يبقى مصير الهدنة معلقاً، لكن أهميتها لا يمكن إنكارها. ففي منطقة تعاني من سنوات طويلة من الصراع، كل خطوة نحو التهدئة أو الحل السياسي تحمل أملاً في مستقبل أفضل، أو على الأقل، تجنب المزيد من العنف والفوضى.

spot_imgspot_img