في تطور يعكس التعقيدات المستمرة للصراع السوري، أعلنت وزارة الدفاع السورية عن تمديد الهدنة بين القوات الحكومية وقوات سورية الديمقراطية «قسد» لمدة 15 يوماً إضافية. يأتي هذا التمديد عقب انتهاء هدنة سابقة استمرت أربعة أيام، ورغم ذلك، شهدت مدينة الحسكة شمال شرقي البلاد تحركات عسكرية لافتة، حيث نشرت «قسد» تعزيزات إضافية على خطوط المواجهة عند مداخل المدينة.
حشد عسكري وتساؤلات حول الهدنة
أكد شهود عيان رؤية العشرات من سيارات الهمفي وغيرها من المركبات العسكرية التابعة لـ «قسد» عند دوار بانوراما على الطريق الرئيسي الذي يربط الحسكة بالشدادي، وهو خط مواجهة رئيسي بين الجانبين. هذه التحركات، التي أفادت بها وكالة «أسوشييتد برس»، تشير إلى انتشار واسع لقوات «قسد» في المنطقة، مما يثير تساؤلات حول طبيعة الهدنة ومدى التزام الأطراف بها على الأرض.
دعم عملية نقل معتقلي داعش
أوضحت وزارة الدفاع السورية في بيانها أن تمديد الهدنة يأتي دعماً لعملية تقوم بها القوات الأمريكية لنقل متهمين بالانتماء لتنظيم داعش الإرهابي، كانوا محتجزين في سجون شمال شرقي سوريا، إلى مراكز احتجاز في العراق. هذه العملية تسلط الضوء على الأهمية الدولية لقضية معتقلي داعش، وتبرز الدور الأمريكي في إدارة هذا الملف الحساس الذي يمثل تحدياً أمنياً عالمياً.
سياق الصراع السوري المعقد
الصراع السوري، الذي دخل عقده الثاني، أدى إلى تقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ متعددة، حيث تسيطر القوات الحكومية على أجزاء واسعة، بينما تسيطر «قسد» على معظم شمال شرق سوريا بدعم من الولايات المتحدة. لطالما كانت العلاقة بين الحكومة السورية و«قسد» متوترة، تتخللها اشتباكات متقطعة رغم تقاطع مصالحهما أحياناً في مواجهة تنظيم داعش. مدينتا الحسكة والقامشلي، وهما مركزان رئيسيان في هذه المنطقة، تحملان أهمية استراتيجية وديموغرافية كبيرة، وتضمان خليطاً من المكونات الكردية والعربية والسريانية.
تفاهم جديد بعد اشتباكات عنيفة
شهدت الأسابيع الثلاثة الماضية اشتباكات عنيفة بين القوات الحكومية و«قسد»، فقدت خلالها الأخيرة أجزاء واسعة من مناطق كانت تسيطر عليها. هذه التطورات الميدانية دفعت نحو التوصل إلى تفاهم جديد. فقد أعلنت الرئاسة السورية الثلاثاء الماضي التوصل إلى تفاهم مع قوات سوريا الديمقراطية تضمن مهلة أربعة أيام للتشاور، وهو ما مهد لتمديد الهدنة الحالية.
بنود الاتفاق المقترح ومستقبل الحسكة
نصّ التفاهم على ألا تدخل القوات السورية مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي في حال المضي بالاتفاق، على أن يُناقش لاحقاً الجدول الزمني والتفاصيل الخاصة بالدمج السلمي لمحافظة الحسكة، بما في ذلك مدينة القامشلي ذات الغالبية الكردية. كما أتاح التفاهم لقائد «قسد» مظلوم عبدي أن يقترح مرشحين لمنصبي مساعد وزير الدفاع ومحافظ الحسكة، إضافة إلى أسماء للتمثيل في مجلس الشعب، بحسب الرئاسة السورية.
مقترح «قسد» عبر الوسيط الأمريكي
من جانبه، كشف مصدر كردي لوكالة «فرانس برس» أن قوات سورية الديمقراطية قدّمت مقترحاً عبر الوسيط الأمريكي توم براك إلى الحكومة السورية في إطار المشاورات حول مستقبل المؤسسات الكردية. تضمن المقترح طرحاً بأن تتولى الحكومة إدارة المعابر والحدود بما يضمن أمن المنطقة ويحافظ عليها. وأكد المصدر أن «قسد» سمّت مرشحها لمنصب مساعد وزير الدفاع وسوف تسمّي كذلك قائمة للبرلمانيين، مما يشير إلى رغبة في المشاركة السياسية ضمن إطار الدولة السورية.
تداعيات الهدنة والتفاهمات المستقبلية
تحمل هذه الهدنة والتفاهمات المحتملة تداعيات كبيرة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، يمكن أن يمهد هذا الاتفاق الطريق لإطار إداري أكثر استقراراً في شمال شرق سوريا، أو قد يكون مجرد وقف مؤقت في صراع أعمق على السيطرة والحكم الذاتي. إقليمياً، لا تزال المنطقة نقطة اشتعال، خاصة مع قلق تركيا المستمر من نفوذ «قسد» وعلاقاتها بحزب العمال الكردستاني. أي تغيير في السيطرة أو الحكم في الحسكة يمكن أن يؤثر على الديناميكيات الإقليمية وحسابات الأمن. دولياً، تسلط عملية نقل معتقلي داعش الضوء على التهديد المستمر الذي تشكله بقايا التنظيم الإرهابي، وتبرز أهمية استقرار مراكز الاحتجاز. إن دور الولايات المتحدة في تسهيل هذه العمليات والتوسط بين الأطراف المتنازعة يعكس مصالحها الاستراتيجية المعقدة في المنطقة، والتي توازن بين جهود مكافحة الإرهاب والاعتبارات الجيوسياسية الأوسع. ستحدد نتائج هذه المفاوضات ليس فقط مستقبل شمال شرق سوريا، بل ستؤثر أيضاً على مسار الصراع السوري الأوسع وآفاق السلام الدائم.


