spot_img

ذات صلة

اتفاق وقف إطلاق النار بسوريا: حوار جديد نحو الوحدة

في خطوة قد تمثل نقطة تحول محورية في مسار الأزمة السورية، أعلنت وزارة الدفاع السورية يوم الأحد وقفاً شاملاً لإطلاق النار على كافة الجبهات، وإيقافاً كاملاً للأعمال القتالية في مختلف مناطق الاشتباكات. يأتي هذا الإعلان، وفقاً للبيان الصادر عن الوزارة، بناءً على اتفاق تم التوصل إليه بين الرئيس الشرع وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).

ويهدف هذا الاتفاق إلى تمهيد الطريق لفتح ممرات آمنة تتيح عودة الأهالي إلى ديارهم، بالإضافة إلى إعادة مؤسسات الدولة لممارسة مهامها الأساسية في خدمة المواطنين. وقد أوصت وزارة الدفاع رجال الجيش العربي السوري بضرورة التحلي بأعلى درجات الثقة والمسؤولية في حماية المدنيين وصون ممتلكاتهم، والحفاظ على الأمن والاستقرار في المناطق المعنية.

على الصعيد الدولي، رحبت الولايات المتحدة الأمريكية بهذا التطور الإيجابي، مشيدةً بجهود الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية البناءة التي أفضت إلى اتفاق وقف إطلاق النار. واعتبرت واشنطن أن هذا الاتفاق يفتح الباب أمام حوار وتعاون متجددين نحو تحقيق رؤية سوريا موحدة ومستقرة.

وفي تعليق له على حسابه في منصة “إكس”، أشار المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم باراك، إلى أن “زعيمين سوريين عظيمين، مدفوعين برؤية مشتركة لتحرير بلادهما وشعبهما من الظلم، اجتمعا لرسم مستقبل أفضل لجميع السوريين”. وأضاف باراك أن هذا الاتفاق ووقف إطلاق النار يمثلان “نقطة تحول محورية، حيث يتبنى الخصمان السابقان الشراكة بدلاً من الانقسام”. وأكد أن الرئيس الشرع شدد على أن الأكراد جزء لا يتجزأ من سوريا، معرباً عن تطلع الولايات المتحدة إلى الاندماج السلس لشريكها التاريخي في الحرب ضد داعش مع أحدث عضو في التحالف الدولي، وذلك في سياق المعركة المستمرة ضد الإرهاب.

وأوضح باراك أن “العمل الشاق المتمثل في وضع اللمسات الأخيرة على تفاصيل اتفاقية التكامل الشاملة يبدأ الآن”، مؤكداً وقوف الولايات المتحدة بقوة خلف هذه العملية في كل مرحلة. وشدد على أن واشنطن تحمي مصالحها الأمنية الوطنية الحيوية في هزيمة فلول داعش الإرهابية، وتدفع بخطة الرئيس دونالد ترامب الجريئة للسلام في الشرق الأوسط. وأعرب عن تشجيع الولايات المتحدة الخاص إزاء هذا المسعى المستمر لمواجهة تهديدات داعش، والذي سيسهل اندماج الشركاء الأكراد على المدى الطويل بشكل كامل في سوريا موحدة وشاملة تحمي مصالح وحقوق جميع مواطنيها، مع تعزيز الأهداف المشتركة للمصالحة والوحدة الوطنية.

السياق العام والخلفية التاريخية للأزمة السورية

لفهم أهمية هذا الاتفاق، لا بد من استعراض السياق المعقد للأزمة السورية التي اندلعت في عام 2011. لقد تحولت الاحتجاجات السلمية الأولية إلى صراع مسلح متعدد الأطراف، شاركت فيه قوى محلية وإقليمية ودولية. أدت هذه الحرب إلى تشريد الملايين ودمار واسع النطاق، وتفتت السيطرة على الأراضي السورية بين الحكومة وقوات المعارضة المختلفة، بالإضافة إلى الجماعات الكردية التي شكلت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. كانت قسد لاعباً رئيسياً في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في شمال وشرق سوريا، وتمكنت من دحر التنظيم من معاقله الرئيسية، لكنها ظلت في حالة توتر مع الحكومة السورية التي تعتبر وجودها غير شرعي، ومع تركيا التي تصنف بعض مكوناتها كمنظمات إرهابية.

لطالما كانت العلاقة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية معقدة ومتغيرة، تتراوح بين فترات من التوتر العسكري المباشر وأخرى من التنسيق غير المعلن ضد أعداء مشتركين. إن أي اتفاق لوقف إطلاق النار أو للتعاون بين الطرفين يمثل تحولاً كبيراً في ديناميكيات الصراع، ويحمل في طياته إمكانية إعادة تشكيل الخريطة السياسية والعسكرية للمنطقة.

أهمية الاتفاق وتأثيراته المتوقعة

  • على الصعيد المحلي: يمكن أن يؤدي وقف إطلاق النار إلى تخفيف المعاناة الإنسانية بشكل كبير، والسماح بعودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم الأصلية، وهو ما يمثل أولوية قصوى للمجتمع الدولي. كما يفتح الباب أمام استعادة الخدمات الأساسية وإعادة بناء البنية التحتية المدمرة، مما يعزز الاستقرار المجتمعي.
  • على الصعيد الإقليمي: قد يساهم الاتفاق في تهدئة التوترات الإقليمية، خاصة مع الدول المجاورة مثل تركيا التي تراقب بقلق التطورات في شمال شرق سوريا. يمكن أن يمهد الطريق لحوار أوسع حول مستقبل سوريا، ويقلل من فرص التدخلات الخارجية المباشرة، مما يعزز الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط المضطربة.
  • على الصعيد الدولي: يعكس الاتفاق، كما أشارت الولايات المتحدة، خطوة نحو تحقيق سوريا موحدة، وهو هدف تدعمه معظم القوى الدولية. كما أنه يعزز الجهود الدولية المستمرة لمكافحة فلول تنظيم داعش الإرهابي، الذي لا يزال يشكل تهديداً أمنياً. إن دمج القوات الكردية، التي كانت شريكاً رئيسياً في الحرب ضد داعش، ضمن إطار سوري موحد وشامل، يمكن أن يعزز قدرة الدولة السورية على بسط سيطرتها ومكافحة الإرهاب بفعالية أكبر، ويقلل من الحاجة إلى وجود عسكري أجنبي طويل الأمد.

ومع ذلك، فإن التحديات لا تزال كبيرة. يتطلب تنفيذ اتفاق بهذا الحجم إرادة سياسية قوية من جميع الأطراف، بالإضافة إلى ضمانات دولية لضمان استمراريته. إن تفاصيل “اتفاقية التكامل الشاملة” المشار إليها من قبل المبعوث الأمريكي ستكون حاسمة في تحديد مدى نجاح هذا المسعى في تحقيق سلام دائم واستقرار حقيقي لسوريا وشعبها.

spot_imgspot_img