تترقب الأوساط السورية والدولية إعلاناً مهماً من دمشق يتعلق بمستقبل التهدئة في شمال شرق البلاد واندماج قوات سورية الديمقراطية (قسد) ضمن مؤسسات الدولة السورية. فقد أعلن وزير الإعلام السوري، حمزة المصطفى، اليوم الأحد، أن بياناً حاسماً سيصدر بعد الساعة السادسة، ليكشف عن تفاصيل المشاورات الجارية بشأن اتفاق وقف إطلاق النار والخطوات العملية لدمج هذه القوات في الهيكل الرسمي للدولة.
يأتي هذا الترقب في ظل تطورات ميدانية وسياسية متسارعة، حيث تمكن الجيش السوري، الأحد، من السيطرة على بلدة الطبقة الاستراتيجية في محافظة الرقة، شرقي سورية. هذه العملية العسكرية المتواصلة ضد قوات سورية الديمقراطية (قسد) تزامنت مع لقاءات دبلوماسية رفيعة المستوى، شملت اجتماع مسؤولين سوريين مع المبعوث الأمريكي توم باراك في دمشق، مما يؤكد على الأهمية الإقليمية والدولية لهذه التطورات.
إن قوات سورية الديمقراطية (قسد) هي تحالف عسكري تشكل في خضم الحرب السورية، وتضم في غالبيتها وحدات حماية الشعب الكردية (YPG)، بالإضافة إلى فصائل عربية وسريانية أخرى. لعبت قسد دوراً محورياً في مكافحة تنظيم داعش الإرهابي بدعم كبير من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وسيطرت على مساحات واسعة من شمال وشرق سورية، بما في ذلك حقول النفط ومناطق زراعية حيوية. لطالما كانت العلاقة بين قسد والحكومة السورية متوترة، حيث تسعى قسد إلى تحقيق حكم ذاتي في مناطق سيطرتها، بينما تصر دمشق على بسط سيادتها الكاملة على كافة الأراضي السورية، مما يجعل ملف الاندماج معقداً وحساساً للغاية.
التقدم الأخير للجيش السوري في الطبقة جاء بعد تصاعد التوتر والاشتباكات الدامية بين دمشق وقسد، والتي شهدت تقدم القوات الحكومية في مناطق كانت تحت سيطرة قسد في شمال البلاد. وتكتسب بلدة الطبقة أهمية استراتيجية بالغة لموقعها القريب من سد الفرات، أحد أكبر السدود في سورية، ولأنها تعد بوابة رئيسية لمدينة الرقة، العاصمة السابقة لتنظيم داعش والتي حررتها قسد بدعم أمريكي في عام 2017. السيطرة على الطبقة تمثل تحولاً كبيراً في موازين القوى بالمنطقة.
وقد أكد المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، أن قوات تابعة للوزارة تتولى الآن تأمين الممتلكات في مدينة الطبقة بعد خروج مقاتلي قسد. وأضاف البابا أن العمل جارٍ على تأمين عودة الأهالي والنازحين لحياتهم الطبيعية، مشيراً إلى حالة من الفرح والسرور بين السكان بتحرير المدينة. وقد أظهرت صور متداولة سكاناً يخرجون من منازلهم لاستقبال القوات السورية، وهم يلوحون بالعلم السوري، في مشهد يعكس ترحيباً بعودة سيطرة الدولة. ويبدو الآن أن القوات الحكومية تتجه نحو عمق مدينة الرقة، إحدى أهم مدن شمال شرقي سورية، والتي لا تزال خاضعة لسيطرة قسد.
إن أهمية هذا الإعلان المرتقب تتجاوز الحدود المحلية. فعلى الصعيد المحلي، يمكن أن يمهد اتفاق التهدئة والاندماج الطريق لاستقرار أكبر في مناطق الشمال الشرقي، وتوحيد الجهود لإعادة الإعمار وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين، وعودة النازحين إلى ديارهم. أما إقليمياً، فإن اندماج قسد في مؤسسات الدولة السورية قد يغير ديناميكيات القوى في المنطقة، ويقلل من النفوذ الخارجي، وقد يكون له تداعيات على العلاقة مع تركيا التي تعتبر وحدات حماية الشعب الكردية امتداداً لحزب العمال الكردستاني وتصنفها كمنظمة إرهابية.
دولياً، يتابع المجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة وروسيا، هذه التطورات عن كثب. فبينما تدعم واشنطن قسد، تسعى موسكو إلى تسهيل الحوار بين دمشق والقوات الكردية لضمان وحدة الأراضي السورية. إن نجاح هذه المفاوضات يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة للحل السياسي الشامل في سورية، ويقلل من تعقيدات الصراع المستمر منذ سنوات. ومع ذلك، تظل التحديات كبيرة، وتتطلب بناء الثقة بين الأطراف، وتحديد آليات واضحة للاندماج، وضمان حقوق وسلامة جميع المكونات في المنطقة. يبقى السؤال الأهم هو كيف سيتم تطبيق هذا الاندماج على أرض الواقع، وما هي الضمانات التي ستقدمها دمشق لقوات قسد ومناطق سيطرتها السابقة.


