تشهد الساحة السورية تطورات متسارعة ومثيرة للقلق، حيث تصاعدت حدة التوترات في شمال شرق البلاد، مهددة بتقويض اتفاق حيوي يهدف إلى تعزيز الاستقرار ووحدة الأراضي السورية. في هذا السياق، وجه الجيش السوري اتهامات مباشرة لمجاميع إرهابية تابعة لحزب العمال الكردستاني «PKK» وما وصفها بـ “فلول إرهابية أخرى”، بمحاولة تعطيل تنفيذ الاتفاق المبرم بين الدولة السورية وقوات سورية الديمقراطية «قسد» من خلال استهداف القوات السورية. هذا التصعيد يأتي في وقت حرج، حيث أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة آخرين في عمليتين منفصلتين استهدفتا القوات السورية.
في المقابل، لم تتأخر قوات سورية الديمقراطية «قسد» في الرد، حيث اتهمت الحكومة السورية بشن هجمات على قواتها في مناطق استراتيجية مثل عين عيسى والشدادة والرقة. وأضافت «قسد» في بيان لها، أن هذه الأثناء تشهد اشتباكات عنيفة بين قواتها وتلك الفصائل على محيط سجن الأقطان في الرقة، وهو سجن يضم معتقلي تنظيم داعش الإرهابي، مما يمثل تطوراً بالغ الخطورة قد يهدد الأمن الإقليمي والدولي في حال فرار هؤلاء المعتقلين.
يأتي هذا التصعيد بعد يوم واحد فقط من توقيع الرئيس أحمد الشرع على اتفاق لوقف إطلاق النار والاندماج الكامل لقوات سورية الديمقراطية “قسد” ضمن مؤسسات الدولة السورية. وقد حظي هذا الاتفاق بترحيب واسع على المستويين العربي والدولي، ووُصف بأنه خطوة محورية نحو تعزيز وحدة سورية واستقرارها، وبسط سيادة الدولة على كامل أراضيها. وبموجب هذا الاتفاق، كانت قوات الجيش السوري قد بدأت بالفعل عملية الانتشار في منطقة الجزيرة السورية لتأمينها، حيث أفادت وكالة الأنباء السورية عن هيئة العمليات بتأمين سد تشرين وريف الرقة الشمالي، إضافةً إلى ريف الحسكة الغربي حتى الآن، مع تنبيه المدنيين بضرورة الالتزام بتعليمات الجيش.
تتضمن بنود الاتفاق الجديد وقف إطلاق نار شامل وفوري على كل الجبهات ونقاط التماس بين القوات الحكومية السورية وقسد، بالتوازي مع انسحاب جميع التشكيلات العسكرية التابعة لقسد إلى منطقة شرق الفرات كخطوة تمهيدية لإعادة الانتشار. كما ينص الاتفاق على تسليم الحكومة السورية محافظتي دير الزور والرقة إدارياً وعسكرياً بالكامل فوراً، وكامل حقول النفط والمعابر الحدودية، إلى جانب إصدار مرسوم رئاسي لتعيين محافظ في الحسكة ودمج جميع المؤسسات المدنية في الحسكة ضمن الدولة السورية. ومن البنود الهامة أيضاً دمج جميع العناصر العسكرية والأمنية لقسد ضمن هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية السورية بشكل فردي بعد إجراء التدقيق الأمني اللازم، مع منحهم الرتب العسكرية والمستحقات، وحماية خصوصية المناطق الكردية. كما نص الاتفاق على إخلاء عين العرب (كوباني) من المظاهر العسكرية الثقيلة وتشكيل قوة مدنية من أبناء المدينة، ودمج الإدارة المسؤولة عن ملف سجناء تنظيم داعش في مؤسسات الحكومة السورية، وتلزم الاتفاقية «قسد» بإخراج جميع قيادات وعناصر حزب العمال الكردستاني (PKK) غير السوريين خارج الحدود السورية لضمان السيادة واستقرار الجوار.
السياق التاريخي وأهمية الاتفاق:
لفهم عمق هذه التطورات، يجب العودة إلى السياق الأوسع للصراع السوري الذي اندلع عام 2011. شهدت سوريا منذ ذلك الحين انقسامات عميقة وظهور قوى متعددة، من بينها قوات سورية الديمقراطية (قسد) التي تشكلت في عام 2015 بقيادة وحدات حماية الشعب الكردية (YPG) وبدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. لعبت قسد دوراً محورياً في محاربة تنظيم داعش الإرهابي في شمال وشرق سوريا، وسيطرت على مساحات واسعة من الأراضي الغنية بالنفط والموارد. ومع ذلك، فإن وجودها كان دائماً محل خلاف مع الحكومة السورية التي تعتبرها جزءاً من قوى انفصالية، ومع تركيا التي تصنف وحدات حماية الشعب كذراع لحزب العمال الكردستاني (PKK) المصنف كمنظمة إرهابية. هذه الديناميكية المعقدة خلقت منطقة نفوذ متنازع عليها، حيث تتداخل مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة، بما في ذلك روسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة.
إن اتفاق دمشق وقسد، لو تم تنفيذه بالكامل، يمثل فرصة تاريخية لإعادة توحيد الأراضي السورية تحت سيادة الدولة، وإنهاء حالة الانقسام التي طال أمدها. محلياً، يمكن أن يؤدي إلى استقرار طويل الأمد، وعودة النازحين، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، وتحسين الظروف المعيشية للسكان. إقليمياً، يحمل الاتفاق تداعيات كبيرة؛ فهو يقلل من نفوذ القوى الخارجية التي تدعم أطرافاً مختلفة، وقد يغير موازين القوى في المنطقة. بالنسبة لتركيا، فإن إخراج عناصر PKK غير السوريين من سوريا يمثل مطلباً أمنياً رئيسياً. دولياً، يساهم الاتفاق في جهود مكافحة الإرهاب من خلال دمج ملف سجناء داعش تحت سيطرة الحكومة السورية، مما يقلل من مخاطر هروبهم وتشكيل تهديد جديد. ومع ذلك، فإن التحديات كبيرة، فالمصالح المتضاربة واللاعبون المتعددون يجعلون أي اتفاق هشاً ومعرضاً للعرقلة، كما يتضح من الاشتباكات الأخيرة. إن نجاح هذا الاتفاق يعتمد بشكل كبير على الإرادة السياسية لجميع الأطراف وقدرتها على تجاوز الخلافات لضمان مستقبل مستقر لسوريا.


