أعلن مصرف سورية المركزي رسمياً عن انتهاء القوة الإبرائية لفئات الليرة السورية القديمة، ليطوي السوريون بذلك صفحة مالية واقتصادية ارتبطت لعقود برموز النظام السابق. وجاء هذا الإجراء في إطار مساعي إعادة هيكلة النظام المالي والنقدي في البلاد، والتخلص من مخلفات الحقبة الماضية التي تمثلت في صور الرئيس المخلوع بشار الأسد ووالده حافظ الأسد على العملات الورقية المتداولة، والانتقال نحو مرحلة جديدة تعكس التطلعات الاقتصادية والسياسية المستقبلية للبلاد.
تاريخ الليرة السورية القديمة ورموز الحقبة الماضية
على مدى أكثر من نصف قرن، ارتبطت العملة السورية بالتوجهات السياسية للسلطة الحاكمة. وكانت صورة حافظ الأسد، الذي حكم البلاد منذ عام 1971 وحتى وفاته عام 2000، تتصدر الورقة النقدية من فئة 1,000 ليرة سورية، والتي كانت تعد لسنوات طويلة الفئة الأعلى قيمة في البلاد. ومع التدهور الاقتصادي الحاد والتضخم المفرط الذي شهدته البلاد لاحقاً، اضطر المصرف المركزي لإصدار فئات نقدية جديدة، من بينها ورقة الـ 2,000 ليرة التي حملت صورة بشار الأسد، الذي استمر في الحكم من عام 2000 وحتى سقوط نظامه في ديسمبر 2024.
إن إلغاء هذه الفئات الورقية لا يمثل مجرد إجراء تقني أو مالي بحت، بل يحمل دلالات رمزية عميقة تؤكد رغبة السوريين في التحرر من إرث حكم آل الأسد الذي هيمن على مفاصل الدولة والاقتصاد لعقود طويلة، والبدء في تأسيس هوية وطنية جامعة لا ترتبط بأشخاص أو عائلات حاكمة.
آلية وشروط استبدال العملة عبر المصرف المركزي
أوضح المكتب الإعلامي لمصرف سورية المركزي في دمشق التفاصيل التنظيمية لعملية سحب الأوراق النقدية القديمة من التداول. وقد بدأت هذه العملية رسمياً مطلع يناير 2026 واستمرت حتى انتهت المهلة المحددة في 30 يوليو من العام نفسه، حيث أعلن المصرف رسمياً فقدان الأوراق القديمة لصلاحيتها القانونية في التداول أو إبرام المعاملات المالية.
وقد وضع المصرف شروطاً محددة لعمليات الاستبدال لضمان تنظيم العملية والحد من الفوضى، وجاءت الشروط على النحو التالي:
- أن يتم تقديم طلبات السحب والاستبدال حصرياً عبر المقر الرئيسي لمصرف سورية المركزي في العاصمة دمشق.
- ألا يقل عدد الأوراق النقدية المقدمة للاستبدال عن 100 ورقة من أي فئة كانت، مع رفض أي طلبات تقل عن هذا النصاب.
- بعد إتمام عمليات التدقيق والموافقة الأمنية والمالية، يتم تحويل القيمة المعادلة للعملات القديمة مباشرة إلى الحساب المصرفي للمستفيد بالليرة السورية الجديدة.
الأبعاد الاقتصادية والسياسية لإنهاء عهد العملة القديمة
تحمل خطوة إلغاء الليرة السورية القديمة أبعاداً وتأثيرات متعددة المستويات:
محلياً: تسهم هذه الخطوة في تعزيز الاستقرار النقدي من خلال سحب الكتلة النقدية التالفة والمتهالكة وضبط المعروض النقدي في السوق. كما تساعد في بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات المالية الجديدة عبر تشجيع التعاملات البنكية وفتح الحسابات المصرفية، مما يقلل من حجم الاقتصاد غير الرسمي.
إقليمياً ودولياً: يبعث هذا التحول المالي برسائل إيجابية للمجتمع الدولي والجهات المانحة والمستثمرين، مفادها أن سورية تتجه نحو تبني معايير أكثر شفافية وحوكمة في نظامها المصرفي. ويعد إصلاح القطاع المصرفي وإصدار عملة وطنية جديدة خالية من الرموز السياسية السابقة خطوة أساسية لتهيئة البيئة الملائمة لمشاريع إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات الخارجية الحيوية لإنعاش الاقتصاد السوري المنهك.


