spot_img

ذات صلة

سوريا تمنح قسد مهلة أخيرة للاندماج وتؤكد السيادة

أكدت الجمهورية العربية السورية، عبر رئيس مكتب وزير خارجيتها والمشرف على عمل بعثتها في الرياض، محسن مهباش، على مبادئها الثابتة التي لا تقبل المساومة فيما يتعلق بملف شمال وشرق البلاد. شدد مهباش على أن تعامل الدولة السورية مع هذه المنطقة ينطلق من ركائز أساسية تتمثل في وحدة الأراضي السورية وسيادة الدولة الكاملة، واحتكارها الشرعي لاستخدام السلاح، إلى جانب مسؤوليتها المطلقة في حماية جميع المواطنين ومكافحة الإرهاب بكافة أشكاله. وأشار إلى أن دمشق تلتزم دائماً بالحلول السياسية والحوار الوطني كخيار أول لمعالجة القضايا الداخلية، في سعيها الدائم لتحقيق الاستقرار والسلام.

وأوضح مهباش أن الحكومة السورية اختارت منذ البداية مسار التهدئة والتفاهم مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ووقّعت معها عدة اتفاقيات واضحة. نصت هذه الاتفاقيات على وقف إطلاق النار، وعودة مؤسسات الدولة إلى المنطقة، وتسليم الموارد والمعابر الحدودية، ودمج المقاتلين ضمن صفوف الجيش العربي السوري. إلا أن هذه التفاهمات، بحسب مهباش، قوبلت بالمماطلة والنقض المتكرر من قبل قيادة «قسد»، مما أدى إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار وتهديد أمن المدنيين في تلك المناطق الحيوية.

السياق التاريخي والجيوسياسي للصراع في شمال شرق سوريا:

لفهم عمق هذا الملف، لا بد من الإشارة إلى السياق الأوسع للأزمة السورية التي بدأت عام 2011. فمع تمدد الصراع وظهور تنظيمات متطرفة مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، برزت “قسد” كقوة عسكرية رئيسية في شمال وشرق سوريا، مدعومة بشكل كبير من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في حربها ضد داعش. هذه الديناميكية خلقت واقعاً معقداً حيث أصبحت “قسد” تسيطر على مساحات واسعة من الأراضي الغنية بالنفط والموارد، مما أثار قلق الحكومة السورية التي تعتبر أي وجود عسكري غير تابع لها انتهاكاً لسيادتها. كما أن ملف الأكراد في سوريا، وتطلعاتهم السياسية، يمثل بعداً تاريخياً مهماً في هذه المعادلة، حيث تسعى الحكومة السورية دائماً إلى دمج جميع المكونات ضمن إطار الدولة الموحدة.

تصعيد ميداني وحق الدفاع السيادي:

وأضاف مهباش أنه في ظل التصعيد الميداني الذي أقدمت عليه «قسد»، بما في ذلك الحشود العسكرية شرق حلب واستهداف المدن بالمسيّرات، ورفض الاستجابة للإنذارات الرسمية المتكررة، اضطرت الدولة السورية، بعد استنفاد جميع السبل السياسية والدبلوماسية، إلى ممارسة حقها السيادي في الدفاع عن أراضيها وأمن شعبها. وقد تم ذلك عبر عملية عسكرية محدودة، هدفت حصراً إلى حماية الاستقرار ومنع تمدد الفوضى والإرهاب، مع الالتزام الكامل بحماية المدنيين وعدم تهجير أي مكون سوري، مؤكداً أن هذا الحق مكفول لجميع الدول ذات السيادة.

ملف سجناء داعش: ورقة ابتزاز خطيرة:

وشدد مهباش على أن ملف سجناء تنظيم «داعش» الإرهابي، الذي يضم آلاف المقاتلين وعائلاتهم، جرى توظيفه بشكل خطير من قبل «قسد» كورقة ابتزاز سياسي وأمني. ووصل هذا الابتزاز إلى حد إطلاق سراح عناصر إرهابية، مما يشكل تهديداً للأمن الإقليمي والدولي. وأكد جاهزية الدولة السورية لتسلُّم هذا الملف وتأمين مراكز الاحتجاز وفق المعايير الدولية، محمّلاً «قسد» المسؤولية الكاملة عن أي خرق أمني أو تهديد ينتج عن هذه الممارسات. وأشار إلى أن سوريا كانت ولا تزال في مواجهة مباشرة مع تنظيم «داعش» منذ أكثر من عقد، وتمتلك خبرة ميدانية حقيقية في مكافحة الإرهاب، وأن الجيش العربي السوري هو الضامن لوحدة البلاد وأمنها، مع استمرار بسط السيادة على كامل الأراضي وحماية جميع المواطنين دون تمييز.

اتفاق جديد ومهلة أخيرة للاندماج:

في تطور لافت، كشف مهباش عن اتفاق تم بين الجانب السوري وقوات «قسد»، يقضي بمنح مهلة أربعة أيام لوضع آلية دمج عملية. يتضمن الاتفاق بنوداً مهمة مثل عدم دخول القوات الحكومية مراكز الحسكة والقامشلي أو القرى الكردية، واعتماد أمن محلي، ودمج قوات «قسد» عسكرياً وأمنياً ومدنياً ضمن مؤسسات الدولة السورية، وترشيح ممثلين عنها لمناصب رسمية. كما يشمل الاتفاق تنفيذ المرسوم رقم 13 لضمان حقوق الكرد في سوريا، على أن يبدأ تنفيذ التفاهم اعتباراً من الساعة الثامنة مساءً اليوم. يمثل هذا الاتفاق فرصة أخيرة لإنهاء حالة الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية.

الأهمية والتأثير المتوقع:

لهذا الاتفاق، في حال نجاحه، تداعيات كبيرة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، يمكن أن يمهد الطريق لعودة الاستقرار وتوحيد الجهود لإعادة الإعمار وتوفير الخدمات للمواطنين في شمال وشرق سوريا، وإنهاء حالة الفوضى التي استغلتها التنظيمات الإرهابية. إقليمياً، قد يقلل من التوترات مع دول الجوار، خاصة تركيا التي تعتبر “قسد” امتداداً لحزب العمال الكردستاني وتخشى من أي كيان مستقل على حدودها. دولياً، يمكن أن يعزز جهود مكافحة الإرهاب ويقلل من الحاجة للوجود العسكري الأجنبي، كما أنه يمثل خطوة نحو حل سياسي شامل للأزمة السورية يتماشى مع قرارات الأمم المتحدة. فشل هذا الاتفاق، على النقيض، قد يؤدي إلى تصعيد عسكري أوسع، ويزيد من معاناة المدنيين، ويعقد المشهد الجيوسياسي المتشابك أصلاً.

وختم مهباش بالتأكيد على أن استجابة الحكومة السورية جاءت انطلاقاً من حرصها الشديد على وحدة سورية أرضاً وشعباً، واصفاً ما قُدم بأنه استجابة «لا مثيل لها» لتثبيت الاستقرار وتعزيز الأمن الوطني والإقليمي، في خطوة تعكس التزام دمشق بالحلول السلمية ضمن إطار السيادة الوطنية.

spot_imgspot_img