شهدت سورية، أمس (الأحد)، توقيع اتفاق تاريخي يمثل نقطة تحول محورية في مسار الأزمة السورية الممتدة منذ أكثر من عقد. وقّع الرئيس السوري أحمد الشرع اتفاقية وقف إطلاق نار شاملة وفورية مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وذلك بعد أيام من اشتباكات عنيفة ومتواصلة في مناطق استراتيجية شرق حلب والرقة ودير الزور. هذه الاشتباكات شهدت تقدماً سريعاً للقوات الحكومية وسيطرتها على مدن وبلدات حيوية، مما مهد الطريق لهذا الاتفاق الذي طال انتظاره.
يُعد هذا الاتفاق، الذي أعلنته الرئاسة السورية، خطوة عملاقة نحو إعادة توحيد البلاد تحت سلطة الدولة المركزية، وإنهاء حالة الانقسام التي طال أمدها. يأتي التوقيع بعد أشهر من التوترات والمفاوضات الشاقة التي تعثرت مراراً حول تنفيذ اتفاق مارس 2025 السابق، والذي لم يُطبّق بالكامل. وقد جاء هذا الإنجاز الدبلوماسي والعسكري في أعقاب ضغوط مكثفة، شملت وساطة أمريكية واتصالات مع تركيا ودول إقليمية أخرى، وسط مخاوف متزايدة من تصعيد إقليمي أوسع نطاقاً.
السياق التاريخي للأزمة السورية وتحديات التوحيد
لفهم الأهمية الحقيقية لهذا الاتفاق، لا بد من استعراض السياق التاريخي للأزمة السورية التي اندلعت عام 2011. لقد تحولت سورية من دولة موحدة إلى ساحة صراع متعدد الأطراف، حيث تداخلت فيها قوى محلية وإقليمية ودولية. أدت هذه الأزمة إلى تقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ وسيطرة مختلفة، بين الحكومة السورية، وفصائل المعارضة، وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة دولياً، بالإضافة إلى جيوب تنظيم داعش الإرهابي. لطالما شكلت مناطق شمال وشرق سورية، التي تسيطر عليها «قسد» وتضم غالبية حقول النفط والغاز، تحدياً كبيراً أمام أي محاولة لتوحيد البلاد، نظراً لطبيعتها الإدارية الذاتية ودعمها من قوى دولية.
لقد خاضت «قسد»، التي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية (YPG) عمودها الفقري، معارك ضارية ضد تنظيم داعش الإرهابي، وحظيت بدعم كبير من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. هذا الدعم منحها نفوذاً عسكرياً وسياسياً كبيراً في مناطق سيطرتها، مما جعل دمجها في هياكل الدولة السورية أمراً معقداً للغاية ويتطلب توازنات دقيقة بين المصالح المحلية والإقليمية والدولية. الاتفاق الحالي يمثل محاولة جريئة لمعالجة هذه التعقيدات.
أبرز بنود الاتفاق: خارطة طريق نحو الاستقرار
تضمنت بنود الاتفاق خارطة طريق واضحة لإنهاء الصراع وإعادة بسط سيادة الدولة. شمل الاتفاق وقف إطلاق نار شاملاً وفورياً على الجبهات ونقاط التماس كافة بين القوات الحكومية و«قسد». بالتوازي مع ذلك، نص الاتفاق على انسحاب التشكيلات العسكرية التابعة لـ«قسد» كافة إلى شرق نهر الفرات كخطوة تمهيدية لإعادة الانتشار، مما يقلل من الاحتكاك المباشر ويسهل عملية الانتقال.
من أهم بنود الاتفاق تسليم محافظتي الرقة ودير الزور إدارياً وعسكرياً للحكومة السورية بالكامل فوراً. يشمل ذلك تسلُّم جميع المؤسسات والمنشآت المدنية، وتثبيت الموظفين الحاليين في الوزارات المختصة، مع التزام الحكومة بعدم التعرض لموظفي ومقاتلي «قسد» والإدارة المدنية في المحافظتين. هذه الخطوة تعيد مناطق حيوية وغنية بالموارد إلى سيطرة الدولة، وتضمن استمرارية الخدمات للمواطنين.
كما نص الاتفاق على دمج المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن هياكل الدولة السورية الإدارية بالكامل، وتسلُّم الحكومة السورية كامل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في المنطقة. سيتم تأمين هذه المواقع بحماية القوات النظامية لضمان عودة الموارد إلى خزينة الدولة، مما يعزز الاقتصاد الوطني ويساهم في جهود إعادة الإعمار.
دمج العناصر الأمنية والعسكرية: تحديات وفرص
يُعد بند دمج العناصر العسكرية والأمنية التابعة لـ«قسد» ضمن هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية السورية بشكل فردي من أكثر البنود حساسية وأهمية. سيتم ذلك بعد إجراء التدقيق الأمني اللازم، مع منحهم الرتب والمستحقات المادية واللوجستية بشكل أصولي. هذا الدمج يهدف إلى بناء جيش وطني موحد وقوات أمنية متماسكة، مع حماية خصوصية المناطق الكردية. وقد تضمن الاتفاق التزام قيادة «قسد» بعدم ضم فلول النظام السابق (نظام الأسد) إلى صفوفها، وتسليم قوائم بضباط فلول النظام الموجودين في مناطق شمال شرق سورية، مما يشير إلى مرحلة جديدة في بناء الدولة السورية.
لضمان المشاركة السياسية والتمثيل المحلي، نص الاتفاق على إصدار مرسوم رئاسي بتعيين محافظ للحسكة. كما تضمن إخلاء مدينة عين العرب/كوباني من المظاهر العسكرية الثقيلة، وتشكيل قوة أمنية محلية من أبناء المدينة، مع الإبقاء على قوة شرطة تتبع إدارياً لوزارة الداخلية. هذه الإجراءات تهدف إلى بناء الثقة وتعزيز الأمن المجتمعي.
بالإضافة إلى ذلك، ينص الاتفاق على دمج الإدارة المسؤولة عن سجناء ومخيمات تنظيم «داعش» والقوات المسؤولة عن حمايتها مع الحكومة السورية. هذه الخطوة حاسمة، حيث تتولى الدولة المسؤولية القانونية والأمنية الكاملة عنها، مما يخفف عبئاً كبيراً عن «قسد» ويضمن معالجة هذه القضية الأمنية والإنسانية المعقدة وفقاً للمعايير الدولية.
تأثير الاتفاق: محلياً، إقليمياً، ودولياً
جاء هذا الاتفاق بعد تصعيد عسكري ملحوظ، خصوصاً في حلب وشرق الفرات، حيث تقدم الجيش السوري وسيطر على مناطق استراتيجية مثل الطبقة ودير حافر وحقول نفطية كبرى (العمر، التنك، كونيكو). هذا التقدم العسكري عزز موقف الحكومة في المفاوضات ودفع باتجاه التوصل إلى حل.
على الصعيد المحلي: يمثل الاتفاق نهاية محتملة لسنوات من الصراع الداخلي، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار وإعادة الإعمار. يمكن أن يؤدي إلى عودة النازحين واللاجئين، وتحسين الظروف المعيشية، وإعادة بناء البنية التحتية المدمرة. كما أنه يضمن حقوق المكونات السورية المختلفة، بما في ذلك الكرد، كما في المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026 الذي يعترف بالحقوق الثقافية واللغوية ويعالج قضايا مكتومي القيد، مما يعزز اللحمة الوطنية.
على الصعيد الإقليمي: يمكن أن يساهم الاتفاق في تخفيف التوترات الإقليمية، خاصة مع تركيا التي طالما أبدت قلقها من نفوذ «قسد» على حدودها. قد يفتح الباب أمام حوار أوسع بين دمشق وأنقرة، ويقلل من التدخلات الخارجية في الشأن السوري. كما أنه قد يؤثر على ديناميكيات القوى في المنطقة، ويعزز دور سورية كدولة موحدة وذات سيادة.
على الصعيد الدولي: يمثل الاتفاق انتصاراً للجهود الدبلوماسية وخطوة نحو حل سياسي شامل للأزمة السورية. يمكن أن يشجع المجتمع الدولي على تكثيف الدعم لعمليات إعادة الإعمار والمصالحة، ويقلل من المخاطر الأمنية المرتبطة بوجود الجماعات المتطرفة. كما أنه يعزز مبدأ وحدة الأراضي السورية وسيادتها، وهو ما تدعمه الأمم المتحدة والعديد من الدول.
في الختام، يعيد هذا الاتفاق تفعيل وتوسيع مبادئ اتفاق مارس 2025 الذي نص على دمج «قسد» في الدولة السورية، لكنه تعثر سابقاً بسبب خلافات حول اللامركزية والحقوق الكردية. إنه يمثل انتصاراً سياسياً وعسكرياً للحكومة المركزية في دمشق، مع ضمانات لحقوق الكرد، ويشكل لحظة فارقة في تاريخ سورية الحديث، واعداً بمستقبل أكثر استقراراً ووحدة.


