في خطوة تاريخية قد تعيد تشكيل المشهد السوري المعقد، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع اليوم (الأحد) عن توقيع اتفاق شامل لوقف إطلاق النار والاندماج الكامل لقوات سورية الديموقراطية (قسد) في صفوف الجيش السوري. هذا الاتفاق، الذي جاء عقب لقاء الرئيس الشرع بالمبعوث الأمريكي توم باراك، يمثل نقطة تحول محتملة في مسار الصراع السوري المستمر منذ أكثر من عقد.
خلفية تاريخية وسياق الحدث:
تأتي هذه التطورات في سياق حرب أهلية مدمرة بدأت في سوريا عام 2011، وشهدت تدخلات إقليمية ودولية واسعة. تشكلت قوات سورية الديموقراطية (قسد) في عام 2015 كتحالف عسكري يضم فصائل كردية وعربية وسريانية، بدعم رئيسي من الولايات المتحدة، ولعبت دوراً حاسماً في مكافحة تنظيم داعش الإرهابي في شمال وشرق سوريا. سيطرت «قسد» على مساحات واسعة من الأراضي الغنية بالنفط والغاز، وأقامت إدارات ذاتية في هذه المناطق، مما أثار توترات مع الحكومة السورية التي طالما أكدت على سيادتها ووحدة أراضيها. لطالما كانت العلاقة بين الحكومة السورية و«قسد» معقدة، تتراوح بين التنسيق غير المباشر في بعض الأحيان والاشتباكات المتقطعة في أحيان أخرى، بينما كانت الولايات المتحدة تدعم «قسد» كشريك أساسي في الحرب على الإرهاب.
تفاصيل الاتفاق ومضامينه:
أوضح الرئيس الشرع أن الاتفاق يهدف إلى حل جميع الملفات العالقة مع «قسد»، مؤكداً على مبدأ “الدولة السورية دولة موحدة”. وعلى الرغم من تأخر لقائه مع قائد «قسد» مظلوم عبدي بسبب سوء الأحوال الجوية، فإن توقيع الاتفاق مع المبعوث الأمريكي يشير إلى دعم دولي لهذه الخطوة. يتضمن الاتفاق المكون من 14 بنداً بنوداً رئيسية تشمل وقف إطلاق نار شامل وفوري على كل الجبهات، وانسحاب جميع التشكيلات العسكرية التابعة لـ«قسد» إلى منطقة شرق الفرات كخطوة تمهيدية لإعادة الانتشار.
من أبرز بنود الاتفاق تسليم محافظتي دير الزور والرقة إدارياً وعسكرياً للحكومة السورية بالكامل فوراً، مع استلام جميع المؤسسات المدنية وتثبيت الموظفين الحاليين. كما يؤكد الاتفاق على دمج جميع المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن هياكل الدولة السورية، واستلام الحكومة السورية كامل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز لضمان عودة الموارد للدولة. الأهم من ذلك، ينص الاتفاق على دمج العناصر العسكرية والأمنية لـ«قسد» ضمن وزارتي الدفاع والداخلية السورية بشكل فردي بعد التدقيق الأمني، مع منحهم الرتب والمستحقات، مع حماية خصوصية المناطق الكردية. كما يلزم «قسد» بعدم ضم فلول النظام البائد وتسليم قوائم بضباطهم، ويؤكد على إخلاء مدينة عين العرب/كوباني من المظاهر العسكرية الثقيلة وتشكيل قوة أمنية محلية.
الأهمية والتأثيرات المتوقعة:
يحمل هذا الاتفاق أهمية بالغة على عدة مستويات. محلياً، يمكن أن يمثل بداية لإنهاء الانقسام الإداري والعسكري في شمال شرق سوريا، وفتح الباب أمام عملية إعادة إعمار شاملة وعودة آمنة وكريمة للمهجرين، بما في ذلك أهالي عفرين والشيخ مقصود. دعوة الرئيس الشرع للعشائر العربية في الجزيرة بالهدوء تؤكد على الحاجة إلى بناء الثقة والمصالحة المجتمعية. إقليمياً، قد يخفف الاتفاق من التوترات مع تركيا، خاصة مع التزام «قسد» بإخراج جميع قيادات وعناصر حزب العمال الكردستاني (PKK) غير السوريين خارج الحدود السورية، وهو مطلب تركي رئيسي. هذا يمكن أن يمهد الطريق لاستقرار أكبر في المنطقة الحدودية. دولياً، يعزز الاتفاق دور الحكومة السورية كشريك في مكافحة الإرهاب (داعش) بالتنسيق مع التحالف الدولي والولايات المتحدة، مما يرسخ السيادة السورية ويقلل من تعقيدات الوجود العسكري الأجنبي على المدى الطويل. كما أن الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية الكردية ومعالجة قضايا مكتومي القيد يعكس توجهاً نحو حلول سياسية شاملة.
التحديات والآفاق المستقبلية:
على الرغم من التفاؤل الذي قد يجلبه هذا الاتفاق، إلا أن تنفيذه لن يخلو من التحديات. يتطلب دمج الآلاف من مقاتلي «قسد» في الجيش السوري جهوداً لوجستية وأمنية وسياسية كبيرة، بالإضافة إلى بناء الثقة بين أطراف كانت متصارعة. كما أن ضمان حماية خصوصية المناطق الكردية وتطبيق المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026 يتطلب إرادة سياسية قوية والتزاماً مستمراً. ومع ذلك، فإن هذا الاتفاق يمثل خطوة جريئة نحو توحيد سوريا وإعادة بناء الدولة بمشاركة جميع السوريين، ويفتح آفاقاً جديدة للسلام والاستقرار في منطقة عانت طويلاً من ويلات الحرب.


