spot_img

ذات صلة

سوريا وقسد تتفقان على دمج الحسكة وحقوق الكرد – تفاصيل

دمشق، سوريا – أعلنت الرئاسة السورية عن التوصل إلى تفاهم مشترك ومهم بين الحكومة السورية وقوات سورية الديمقراطية (قسد)، يهدف إلى معالجة عدد من القضايا الجوهرية المتعلقة بمستقبل محافظة الحسكة الاستراتيجية. وقد تم تحديد مساء اليوم الثلاثاء كموعد لبدء تنفيذ هذا التفاهم، في خطوة قد تمثل نقطة تحول في المشهد السوري المعقد.

يأتي هذا التفاهم في سياق جهود مستمرة لإيجاد حلول للقضايا العالقة في شمال شرق سوريا، وهي منطقة شهدت تقلبات وصراعات متعددة منذ اندلاع الأزمة السورية في عام 2011. لطالما كانت العلاقة بين الحكومة السورية وقوات قسد، التي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية عمودها الفقري، معقدة ومتأرجحة بين المواجهة والتعاون الضمني. فبعد انسحاب قوات النظام من مناطق واسعة في الشمال الشرقي خلال السنوات الأولى للأزمة، وملء الفراغ من قبل القوات الكردية التي تصدت لتنظيم داعش الإرهابي بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، نشأت إدارة ذاتية بحكم الأمر الواقع في هذه المناطق، مما أثار تساؤلات حول مستقبلها وعلاقتها بالدولة السورية المركزية. هذه التطورات، بالإضافة إلى التدخلات الإقليمية، خاصة من تركيا التي تعتبر قسد امتداداً لحزب العمال الكردستاني وتشن عمليات عسكرية في المنطقة، دفعت الأطراف المحلية نحو البحث عن صيغ تفاهم تضمن الاستقرار وتحفظ وحدة الأراضي السورية.

ووفقاً للبيان الصادر عن الرئاسة السورية، فقد تم الاتفاق على منح قوات سورية الديمقراطية مهلة أربعة أيام للتشاور الداخلي بهدف وضع خطة تفصيلية لآلية دمج المناطق عملياً. هذه المهلة تعكس الحاجة إلى تنسيق دقيق داخل قسد ومع مكوناتها المختلفة لضمان سلاسة عملية الانتقال والتكامل.

من أبرز بنود التفاهم، التأكيد على أنه في حال التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن الخطة التفصيلية، فإن القوات السورية لن تدخل مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي، بل ستبقى على أطرافهما. هذا البند يمثل تنازلاً مهماً من جانب الحكومة السورية ويراعي الحساسيات المحلية، ويهدف إلى تجنب أي احتكاكات محتملة قد تعرقل عملية الدمج السلمي. ومن المقرر أن تتم لاحقاً مناقشة الجدول الزمني والتفاصيل الخاصة بالدمج الشامل لمحافظة الحسكة، بما في ذلك مدينة القامشلي، التي تعد مركزاً حيوياً للمكون الكردي في سوريا.

كما شدد الاتفاق على أن القوات العسكرية السورية لن تدخل القرى الكردية، وأنه لن توجد أي قوات مسلحة في تلك القرى باستثناء قوات أمن محلية يتم تشكيلها من أبناء المنطقة نفسها، وذلك وفقاً للاتفاق. هذا الإجراء يهدف إلى طمأنة السكان المحليين وضمان مشاركتهم في إدارة شؤونهم الأمنية، مما يعزز الثقة المتبادلة ويقلل من المخاوف بشأن التغييرات المحتملة.

وفي خطوة تعكس الرغبة في دمج قسد ضمن الهيكل المؤسسي للدولة السورية، ذكر البيان أن قائد قوات سورية الديمقراطية، مظلوم عبدي، سيطرح مرشحاً لمنصب مساعد وزير الدفاع، بالإضافة إلى اقتراح مرشح لمنصب محافظ الحسكة. كما سيتم تقديم أسماء للتمثيل في مجلس الشعب وقائمة أفراد للتوظيف ضمن مؤسسات الدولة السورية المختلفة. هذه الخطوات تشير إلى نية واضحة لإعادة دمج الكوادر والخبرات المحلية في الإدارة المركزية، مما يفتح الباب أمام مشاركة أوسع للمكونات المحلية في صنع القرار.

وأكد الطرفان على الاتفاق المبدئي لدمج جميع القوات العسكرية والأمنية التابعة لقسد ضمن وزارتي الدفاع والداخلية السوريتين، مع استمرار النقاشات حول الآلية التفصيلية لهذا الدمج. وبالمثل، ستُدمج المؤسسات المدنية التابعة للإدارة الذاتية ضمن هيكل الحكومة السورية. هذا الدمج الشامل، العسكري والمدني، يمثل جوهر التفاهم ويهدف إلى استعادة سيادة الدولة السورية الكاملة على هذه المناطق، مع مراعاة خصوصيتها.

ولضمان الحقوق الثقافية واللغوية للمكون الكردي، أوضحت الرئاسة السورية أنه سيتم تنفيذ المرسوم رقم 13 المتعلق بالحقوق اللغوية والثقافية وحقوق المواطنة للكرد. هذا البند يعكس التزاماً مشتركاً ببناء سورية موحدة وقوية تقوم على أساس الشراكة الوطنية وضمان الحقوق لجميع مكوناتها، وهو أمر حيوي لتحقيق الاستقرار طويل الأمد والتماسك الاجتماعي في البلاد.

إن هذا التفاهم، إذا ما تم تنفيذه بنجاح، يمكن أن يكون له تأثيرات عميقة على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي. محلياً، قد يؤدي إلى استقرار أكبر في محافظة الحسكة، وتحسين الخدمات، وعودة الحياة الطبيعية للمواطنين بعد سنوات من الصراع والاضطراب. إقليمياً، قد يغير من ديناميكيات القوى في شمال شرق سوريا، ويقلل من مبررات التدخلات الخارجية، ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون أو التنافس بين القوى الإقليمية. دولياً، يمكن أن يُنظر إليه كخطوة نحو حل سياسي أوسع للأزمة السورية، وقد يؤثر على مستقبل الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة، خاصة الوجود الأمريكي الذي يدعم قسد. يبقى التحدي الأكبر في التفاصيل التنفيذية وضمان الثقة المتبادلة بين الأطراف لتحويل هذا التفاهم إلى واقع ملموس يعود بالنفع على الشعب السوري بأكمله.

spot_imgspot_img