في تطور دبلوماسي لافت، أعلنت الرئاسة السورية عن توصل دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى اتفاق شامل لوقف إطلاق النار ودمج قواتها ضمن مؤسسات الدولة السورية. جاء هذا الإعلان عقب اتصال هاتفي بين الرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس الأمريكي دونالد ترمب، حيث تم التأكيد على ضرورة ضمان حقوق الأكراد وحمايتهم ضمن إطار الدولة السورية الموحدة. ويُنظر إلى هذه التفاهمات بوصفها خطوة متقدمة نحو إعادة بسط سلطة الدولة السورية، وتهيئة الأرضية لمعالجة الملفات الأمنية والسياسية العالقة في شمال وشرق البلاد.
خلفية تاريخية: تعقيدات الصراع السوري ومكانة الأكراد
تأتي هذه التطورات في سياق صراع سوري دامٍ امتد لأكثر من عقد من الزمان، شهدت فيه البلاد تحولات جيوسياسية عميقة. منذ عام 2011، تحولت الاحتجاجات السلمية إلى نزاع مسلح متعدد الأطراف، أدى إلى تشريد الملايين ودمار واسع النطاق. في خضم هذا الصراع، برزت القوى الكردية، ممثلة بوحدات حماية الشعب (YPG) التي تشكل العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، كقوة رئيسية في شمال وشرق سوريا. لعبت هذه القوات دوراً حاسماً في مكافحة تنظيم «داعش» الإرهابي، بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، مما أدى إلى تحرير مساحات واسعة من الأراضي السورية من قبضة التنظيم.
لطالما كان وضع الأكراد في سوريا قضية حساسة ومعقدة. تاريخياً، عانى الأكراد من التهميش وإنكار حقوقهم الثقافية والسياسية في ظل الحكومات المتعاقبة. ومع اندلاع الأزمة، استغل الأكراد الفراغ الأمني والإداري لتأسيس إدارات ذاتية في مناطق سيطرتهم، مما أثار تساؤلات حول مستقبل هذه المناطق وعلاقتها بالدولة المركزية. إن الاتفاق الأخير، الذي يشدد على ضمان حقوق الأكراد، يمثل اعترافاً ضمنياً بأهمية هذه المكونات في النسيج السوري وضرورة إيجاد حلول تضمن مشاركتهم الفاعلة.
تفاصيل الاتفاق وأهميته الاستراتيجية
البيان الصادر عن الرئاسة السورية أوضح أن الجانبين السوري والأمريكي شددا على أهمية الحفاظ على وحدة الأراضي السورية واستقلالها، ودعم الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار السياسي والأمني في البلاد. كما أكدا على مواصلة التنسيق والتعاون في مكافحة تنظيم «داعش» وإنهاء التهديدات التي يشكلها، وهو ما يعكس التزاماً دولياً بمواجهة الإرهاب الذي لا يزال يشكل خطراً على المنطقة والعالم.
الاتفاق بين دمشق و«قسد» يتضمن بنوداً مفصلة تعكس محاولة لإعادة هيكلة الإدارة والأمن في المناطق الشمالية والشرقية. من أبرز هذه البنود تسليم إدارة وحقوق حقول النفط للحكومة السورية، وهو أمر حيوي للاقتصاد السوري المتضرر. كما ينص على دخول مؤسسات الدولة إلى المحافظات الشرقية والشمالية الشرقية، مما يعزز الإدارة الحكومية ويوسع نطاق سلطة دمشق. هذه الخطوات تهدف إلى استعادة السيادة الكاملة للدولة على مواردها ومؤسساتها في هذه المناطق الحيوية.
على الصعيد السياسي والأمني، يتضمن الاتفاق التزام قيادة «قسد» بعدم ضم فلول النظام السابق إلى صفوفها، وتسليم قوائم بأسماء الضباط الموجودين ضمن مناطق شمال شرق البلاد. كما نص على إصدار مرسوم رئاسي بتعيين مرشح لمنصب محافظ الحسكة، في خطوة تهدف إلى ضمان المشاركة السياسية وتعزيز التمثيل المحلي. وفي الإطار الأمني، جرى الاتفاق على إخلاء مدينة عين العرب (كوباني) من المظاهر العسكرية الثقيلة، وتشكيل قوة أمنية من أبناء المدينة، مع الإبقاء على شرطة محلية تتبع إدارياً لوزارة الداخلية السورية. هذه الترتيبات تعكس جهداً لإعادة بناء الثقة وتوحيد الجهود الأمنية تحت مظلة الدولة.
تأثير الاتفاق: محلياً، إقليمياً، ودولياً
يمثل هذا الاتفاق، في حال تنفيذه بنجاح، تحولاً كبيراً في المشهد السوري. محلياً، يمكن أن يمهد الطريق لإنهاء حالة الانقسام الإداري والأمني في شمال وشرق سوريا، ويسهم في استقرار هذه المناطق وعودة الخدمات الأساسية. ضمان حقوق الأكراد ودمج قوات «قسد» يمكن أن يعزز اللحمة الوطنية ويقلل من التوترات الداخلية، مما يفتح الباب أمام عملية مصالحة وطنية أوسع.
إقليمياً، قد يكون للاتفاق تداعيات مهمة. تركيا، التي تعتبر وحدات حماية الشعب (YPG) امتداداً لحزب العمال الكردستاني (PKK) وتصنفها منظمة إرهابية، ستراقب عن كثب كيفية تنفيذ بنود الاتفاق، خاصة فيما يتعلق بوجود القوات الكردية. أي حل يضمن استقرار الحدود السورية التركية ويحد من التهديدات الأمنية قد يلقى قبولاً، بينما قد تثير أي ترتيبات لا تأخذ مخاوفها بعين الاعتبار توترات جديدة. كما أن هذا التطور قد يؤثر على ديناميكيات القوى الإقليمية الأخرى مثل إيران وروسيا، اللتين لهما مصالح راسخة في سوريا.
دولياً، يعكس الاتصال بين الرئيسين السوري والأمريكي، والاتفاقات اللاحقة، اهتماماً مستمراً بتحقيق الاستقرار في سوريا ومكافحة الإرهاب. دمج الإدارة المسؤولة عن ملف سجون ومخيمات تنظيم «داعش» والقوات المكلفة بحماية هذه المنشآت ضمن مؤسسات الحكومة السورية، لتتولى دمشق المسؤولية القانونية والأمنية عنها بشكل كامل، هو خطوة حيوية. هذه السجون والمخيمات تضم آلاف المقاتلين وعائلاتهم، وتشكل قنبلة موقوتة تهدد الأمن العالمي. تولي الحكومة السورية لهذه المسؤولية يمكن أن يسهل التعاون الدولي في معالجة هذا الملف الشائك، بما في ذلك إعادة تأهيل وإعادة مواطني الدول الأخرى.
في الختام، بينما يمثل هذا الاتفاق خطوة إيجابية نحو حل بعض أعقد الملفات في الأزمة السورية، فإن الطريق إلى السلام والاستقرار الدائم لا يزال طويلاً ويتطلب جهوداً متواصلة من جميع الأطراف المعنية، ودعماً دولياً حقيقياً لعملية سياسية شاملة.


