تصاعدت حدة التوترات في ريف حلب الشرقي، مع توجيه الحكومة السورية اتهامات حادة لقوات سوريا الديمقراطية «قسد» بمنع المدنيين من العبور عبر الممر الإنساني المعلن عنه في منطقة دير حافر. ووفقاً للتقارير، فقد لجأت «قسد» إلى إطلاق الرصاص لإجبار المدنيين على العودة، مما يفاقم الأزمة الإنسانية في المنطقة ويضع حياة الفارين من الصراع في خطر مباشر.
وأوضحت وكالة الأنباء السورية «سانا» أن الأهالي في قرية المبعوجة التابعة لدير حافر يضطرون لسلوك طرق فرعية وزراعية وعرة وخطرة للوصول إلى مناطق سيطرة الدولة السورية، وذلك بسبب استمرار «قسد» في إغلاق الممر الإنساني الذي أعلنته هيئة العمليات في الجيش السوري. وأكد شهود عيان أن عدداً من سكان دير حافر تمكنوا من النزوح إلى مركز إيواء في مدينة منبج بريف حلب بعد جهود مضنية للخروج من مناطق سيطرة «قسد».
في المقابل، أعلنت قوات «قسد» من جانبها عن إغلاق جميع المعابر مع مناطق الحكومة السورية في مدن الطبقة والرقة ودير الزور حتى إشعار آخر، مستثنيةً من ذلك المنظمات الإنسانية المعتمدة والحالات الطارئة. هذا الإجراء، وإن كان يهدف ظاهرياً إلى تنظيم الحركة، إلا أنه يزيد من تعقيد الوضع الإنساني ويحد من حرية تنقل المدنيين في مناطق واسعة من شمال وشرق سوريا.
من جهتها، اتهمت هيئة العمليات في الجيش السوري مجموعات تابعة لحزب العمال الكردستاني، المتحالفة مع «قسد»، بعرقلة مرور المدنيين عبر الممر الإنساني قرب دير حافر. وأعلنت الهيئة عن تمديد فترة عمل الممر ليوم إضافي، محذرةً من استهداف أي موقع يعرقل حركة المدنيين، ومؤكدةً للجزيرة استكمال كافة التحضيرات الميدانية لتأمين المنطقة. وفي تطور لافت، أفادت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية للجزيرة بانشقاق عدد من عناصر «قسد» ورميهم لأسلحتهم في جبهة دير حافر.
السياق التاريخي والجيوسياسي للتوترات في شمال سوريا
تأتي هذه التطورات ضمن سياق أوسع للصراع السوري المستمر منذ أكثر من عقد، والذي أدى إلى تقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ متعددة. لقد برزت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، المدعومة بشكل أساسي من الولايات المتحدة، كقوة رئيسية في شمال وشرق سوريا، خاصة بعد دورها المحوري في مكافحة تنظيم داعش. ومع ذلك، فإن علاقتها بالحكومة السورية معقدة ومتوترة، تتراوح بين فترات من التنسيق غير المباشر وفترات من المواجهة المباشرة حول السيطرة على الأراضي والمستقبل السياسي للمنطقة.
لطالما كانت حلب وريفها، بما في ذلك دير حافر، نقطة محورية في الصراع نظراً لموقعها الاستراتيجي وأهميتها الاقتصادية. شهدت هذه المناطق تحولات كبيرة في السيطرة، مما جعلها عرضة للتوترات المستمرة بين الفصائل المختلفة. إن فكرة الممرات الإنسانية، على الرغم من أهميتها البالغة لتخفيف معاناة المدنيين، غالباً ما تصطدم بالاعتبارات العسكرية والسياسية لكل طرف، مما يعيق فعاليتها ويضع المدنيين في مرمى النيران.
الأهمية والتأثير المتوقع: أبعاد إنسانية وإقليمية ودولية
إن عرقلة الممرات الإنسانية لها تداعيات خطيرة على عدة مستويات:
- على الصعيد الإنساني المحلي: يقع العبء الأكبر على المدنيين، الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين خطوط النار. إن منعهم من الوصول إلى بر الأمان أو المساعدات الأساسية يفاقم من معاناتهم، ويزيد من أعداد النازحين، ويخلق ظروفاً معيشية قاسية. هذا يتنافى بشكل صارخ مع مبادئ القانون الإنساني الدولي الذي يلزم جميع الأطراف المتحاربة بحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات إليهم.
- على الصعيد الإقليمي: تثير هذه التوترات مخاوف إقليمية، خاصة بالنسبة لتركيا التي تعتبر «قسد» امتداداً لحزب العمال الكردستاني (PKK) المصنف كمنظمة إرهابية. أي تصعيد في شمال سوريا يمكن أن يؤدي إلى تدخلات عسكرية إقليمية جديدة، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني ويؤثر على استقرار الحدود. كما أن تدفقات اللاجئين المحتملة جراء هذه التوترات تشكل تحدياً إضافياً لدول الجوار.
- على الصعيد الدولي: تضع هذه الأحداث المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة، أمام مسؤولية أكبر للضغط على جميع الأطراف لضمان احترام القانون الإنساني الدولي وتسهيل وصول المساعدات. إن الفشل في تأمين الممرات الإنسانية يعكس عجزاً دولياً عن حماية المدنيين في مناطق النزاع، ويقوض جهود السلام والاستقرار في سوريا.
في الختام، لا يمثل هذا الحادث في دير حافر مجرد نزاع محلي، بل هو انعكاس مصغر للصراع السوري الأوسع، الذي يتميز بانعدام الثقة العميق والأجندات المتنافسة والتكلفة البشرية المأساوية لحرب طال أمدها. يتطلب حل هذه الأزمة ليس فقط تهدئة على الأرض، بل أيضاً جهوداً دبلوماسية مكثفة تضع سلامة المدنيين فوق كل اعتبار.


