دمشق، سوريا – أعلنت هيئة العمليات في الجيش العربي السوري اليوم (السبت) عن إحكام سيطرتها الكاملة على مدينة مسكنة الاستراتيجية الواقعة شرق محافظة حلب، مؤكدةً توجه قواتها نحو بلدة دبسي عفنان المجاورة. يأتي هذا التطور ضمن جهود الجيش السوري المستمرة لتثبيت الأمن والاستقرار في المناطق المحررة من قبضة التنظيمات الإرهابية، وإعادة بسط سيادة الدولة على كامل الأراضي السورية.
وفي سياق متصل، وجه الجيش السوري اتهامات صريحة لقوات “قسد” (قوات سوريا الديمقراطية) بخرق الاتفاقات المبرمة، وذلك باستهداف دورية تابعة له قرب مدينة مسكنة. وقد أسفر هذا الهجوم، وفقاً للبيان، عن مقتل جنديين وإصابة آخرين، ما يثير تساؤلات حول مدى التزام الأطراف المعنية بوقف إطلاق النار وتجنب التصعيد في المنطقة.
ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” عن هيئة العمليات تأكيداتها على النجاحات الميدانية التي حققها الجيش، والتي شملت تأمين 34 قرية وبلدة في الريف الشرقي لمدينة دير حافر. كما أشارت الوكالة إلى تأمين خروج أكثر من 200 عنصر من تنظيم “قسد” بسلاحهم، بالإضافة إلى استسلام المئات من عناصر “قسد” للجيش السوري، وهو ما يعكس تراجعاً في قدرة هذه القوات على الصمود في مواجهة تقدم الجيش.
الأهمية الاستراتيجية لمدينة مسكنة وسياقها التاريخي
تكتسب مدينة مسكنة أهمية استراتيجية بالغة نظراً لموقعها الجغرافي في ريف حلب الشرقي، فهي تعد بوابة رئيسية نحو مناطق واسعة في شرق سوريا، بما في ذلك محافظة الرقة ودير الزور. تاريخياً، كانت حلب ومحيطها مسرحاً لصراعات متعددة منذ بداية الأزمة السورية في عام 2011. شهدت المنطقة سيطرة جماعات مسلحة مختلفة، بما في ذلك تنظيم داعش الإرهابي، قبل أن يتمكن الجيش السوري وحلفاؤه من استعادة أجزاء واسعة منها، أبرزها مدينة حلب نفسها في أواخر عام 2016. إن السيطرة على مسكنة تمثل خطوة حاسمة في تأمين الطرق الرئيسية وتعزيز السيطرة على الحدود الإدارية بين المحافظات، وتضييق الخناق على أي جيوب متبقية للتنظيمات المتطرفة.
لطالما كانت منطقة غرب نهر الفرات، التي تقع فيها مسكنة، نقطة تماس حساسة بين القوات الحكومية السورية وقوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكياً. هذه المناطق شهدت في فترات سابقة تفاهمات غير معلنة لتقسيم مناطق النفوذ، خاصة في سياق الحرب ضد تنظيم داعش. إعلان هيئة العمليات في وقت سابق اليوم عن بدء دخول قواتها إلى منطقة غربي نهر الفرات، انطلاقاً من مدينة دير حافر بريف حلب الشرقي، يؤكد على عزم دمشق على استعادة السيطرة الكاملة على هذه المناطق الحيوية.
تأمين المنطقة وعودة المدنيين
أفاد تلفزيون سوريا الرسمي بأن أرتالاً عسكرية تابعة للجيش السوري وجرافات دخلت إلى منطقتي دير حافر ومسكنة بهدف تأمين المنطقة وتهيئتها لعودة المدنيين. هذا الجهد يشمل إزالة الألغام والمخلفات الحربية التي خلفتها سنوات الصراع، وهي خطوة ضرورية لضمان سلامة السكان العائدين. وقد وجه الجيش السوري نداءً عاجلاً إلى المدنيين، طالبهم فيه بعدم دخول منطقة العمليات المحددة بريف حلب الشرقي حتى يتم الانتهاء من تأمينها بشكل كامل وانسحاب “قوات سورية الديمقراطية” منها.
وجاء في بيان صادر عن الجيش: “نهيب بأهلنا المدنيين عدم الدخول إلى منطقة العمليات (المحددة مسبقاً) في ريف حلب الشرقي، حتى ينتهي الجيش العربي السوري من تأمينها وإزالة الألغام والمخلفات الحربية منها، وذلك حفاظاً على سلامتكم”. هذا البيان يعكس حرص القيادة العسكرية على حماية أرواح المدنيين وتجنب أي حوادث مؤسفة قد تنتج عن وجود المتفجرات غير المنفجرة.
انسحاب “قسد” وترحيب دمشق
تزامن بيان الجيش السوري مع إعلان “قوات سورية الديمقراطية” نيتها الانسحاب من مناطق التماس غرب نهر الفرات، بعد أن تعهّدت بذلك مساء أمس. هذا الانسحاب يمثل تطوراً مهماً قد يقلل من احتمالات الاحتكاك المباشر بين الطرفين. وقد رحّبت وزارة الدفاع السورية بهذا القرار، مشيرة إلى أنه سيسهم في تجنّب المزيد من الاشتباكات في محافظة حلب، التي عانت طويلاً من ويلات الحرب.
وأكدت الوزارة أنها ستتابع بدقة استكمال تنفيذ هذا الانسحاب بكامل العتاد والأفراد إلى شرق نهر الفرات. وأوضحت أن الانسحاب سيتم بالتوازي مع بدء انتشار وحدات الجيش العربي السوري في تلك المناطق لتأمينها وفرض سيادة الدولة، تمهيداً لضمان العودة الآمنة والسريعة للأهالي إلى منازلهم وقراهم، وبدء عودة مؤسسات الدولة لتقديم الخدمات الأساسية للسكان. هذا التنسيق، وإن كان غير مباشر، يشير إلى وجود قنوات اتصال أو تفاهمات معينة تهدف إلى إدارة مناطق التماس وتقليل التوتر.
التأثيرات المتوقعة
إن السيطرة على مسكنة وانسحاب “قسد” من غرب الفرات يحملان في طياتهما تأثيرات متعددة الأبعاد. محلياً، من المتوقع أن يؤدي ذلك إلى استقرار أكبر في ريف حلب الشرقي، مما يمهد الطريق لعودة النازحين وإعادة إعمار البنى التحتية المدمرة. إقليمياً، يعزز هذا التطور موقف الحكومة السورية في مفاوضات الحل السياسي، ويقلل من نفوذ القوى التي كانت تعتمد على وجود “قسد” في هذه المناطق. كما قد يؤثر على ديناميكيات العلاقة بين دمشق وأنقرة، خاصة مع استمرار الوجود التركي في مناطق أخرى من شمال سوريا. دولياً، يعكس هذا التطور استمرار التغيرات في خارطة السيطرة السورية، ويؤكد على الدور المحوري للقوى الكبرى مثل روسيا في دعم الحكومة السورية، بينما قد يعيد تشكيل أولويات الولايات المتحدة في المنطقة.


