في تطورات متسارعة ضمن المشهد السوري المعقد، أعلن الجيش السوري عن تقدمه الملحوظ في المناطق التي كانت تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) شمال البلاد. وقد تم تحديد المنطقة الواقعة غرب نهر الفرات كـ “منطقة عسكرية مغلقة”، مع دعوات عاجلة للسكان المدنيين للابتعاد عن مناطق الاشتباكات حفاظاً على سلامتهم. وفي إنجاز استراتيجي بارز، أكدت مصادر عسكرية سيطرة القوات الحكومية على حقل العمر النفطي، الذي يُعد الأكبر في سوريا، بالإضافة إلى حقل كونيكو للغاز، وكلاهما يقع في محافظة دير الزور شرق البلاد.
تأتي هذه التطورات في سياق الحرب الأهلية السورية المستمرة منذ عام 2011، والتي شهدت تحولات جيوسياسية وعسكرية عديدة. لطالما كانت محافظة دير الزور، بمواردها النفطية والغازية الوفيرة وموقعها الاستراتيجي على نهر الفرات، محط أنظار الأطراف المتصارعة. فبعد سنوات من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على هذه المناطق، شهدت المنطقة سباقاً محموماً بين القوات الحكومية السورية المدعومة من روسيا وإيران، وقوات سوريا الديمقراطية المدعومة من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، لتحريرها والسيطرة على مقدراتها الحيوية بعد دحر التنظيم الإرهابي. تمثل السيطرة على حقول النفط والغاز مكسباً اقتصادياً وعسكرياً بالغ الأهمية لأي طرف في الصراع.
في سياق متصل، أعلنت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) عن قيام مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بتفجير جسرين رئيسيين على نهر الفرات في محافظة الرقة شمال سوريا. جاء ذلك بعد إعلان الجيش السوري سيطرته على مدينة الطبقة الاستراتيجية في ريف الرقة وسد الفرات المجاور، حيث كانت تتمركز قوات كردية. هذا التكتيك، الذي يهدف إلى إعاقة تقدم القوات الحكومية، أثار قلقاً بالغاً بشأن البنية التحتية المدنية.
وقد دعا محافظ دير الزور المواطنين إلى عدم مغادرة منازلهم إلا للضرورة القصوى، مع إعلان تعطيل كافة الجهات العامة والدوائر الرسمية في المحافظة. وفي الرقة، أفادت مديرية إعلام المحافظة بانقطاع كامل للمياه عن المدينة جراء تدمير “قسد” لخطوط الأنابيب الرئيسية. وأكدت “سانا” نقلاً عن مديرية إعلام الرقة، تفجير جسر الرشيد الجديد في المدينة، بعد أن كانت الوكالة قد أفادت بتفجير المقاتلين الأكراد للجسر القديم الممتد فوق نهر الفرات في الرقة، ما أدى إلى تدمير خطوط المياه الممتدة عليه، مما يفاقم الأزمة الإنسانية للسكان.
من الناحية الاقتصادية، تمثل استعادة السيطرة على حقل العمر النفطي وحقل كونيكو للغاز دفعة قوية للاقتصاد السوري المنهك. هذه الحقول توفر إيرادات حيوية من النفط والغاز، والتي تعتبر ضرورية لجهود إعادة الإعمار وتلبية احتياجات البلاد من الطاقة، وتقليل الاعتماد على الاستيراد. على الصعيد الاستراتيجي، تعزز هذه السيطرة نفوذ الجيش السوري في شرق البلاد وتؤمن له موطئ قدم قوي في منطقة غنية بالموارد، مما قد يغير موازين القوى الإقليمية ويؤثر على مستقبل أي تسوية سياسية.
على صعيد آخر، أدانت الحكومة السورية بأشد العبارات إقدام قوات سوريا الديمقراطية “قسد” والمجموعات التابعة لحزب العمال الكردستاني على إعدام سجناء وأسرى في مدينة الطبقة بريف الرقة. ووصفت الحكومة هذا الفعل بأنه “جريمة مكتملة الأركان” بموجب اتفاقيات جنيف، متعهدة بالمحاسبة القانونية ودعت المجتمع الدولي إلى إدانة هذه الجريمة. ورغم نفي “قسد” لهذه الاتهامات وتحميلها القوات الحكومية المسؤولية، إلا أن هذه المزاعم تثير مخاوف جدية بشأن انتهاكات حقوق الإنسان وقوانين الحرب.
وكان الجيش السوري قد أكد سيطرته الكاملة على سد الفرات ومدينة الطبقة الاستراتيجية ومطارها العسكري، بعد طرد عناصر حزب العمال الكردستاني. كما أعلن عن سيطرته على سد المنصورة وعدد من البلدات المجاورة في ريف الرقة، مشيراً إلى أن قواته باتت على بعد كيلومترات قليلة من المدخل الغربي لمدينة الرقة، مما يشير إلى استراتيجية عسكرية أوسع لتأمين المنطقة.


