أعلنت وزارة الدفاع السورية عن استلام قوات الجيش العربي السوري لقاعدة الشدادي العسكرية الاستراتيجية في ريف الحسكة شمال شرق البلاد، وذلك بعد تنسيق مباشر مع الجانب الأمريكي. تأتي هذه الخطوة ضمن سلسلة من التطورات الميدانية والسياسية التي تشهدها الساحة السورية، وتحديداً في المناطق التي كانت تشهد وجوداً عسكرياً أمريكياً مكثفاً.
ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” عن إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع تأكيدها استلام قوات الجيش السوري لقاعدة الشدادي العسكرية بريف الحسكة، مشيرة إلى أن هذا الإجراء تم بالتنسيق الكامل مع الجانب الأمريكي. هذا التطور يعكس تحولاً ملحوظاً في ديناميكيات السيطرة على الأرض في شمال شرق سوريا، وهي منطقة ذات أهمية جيوسياسية واقتصادية بالغة.
تأتي عملية تسليم قاعدة الشدادي عقب انسحاب القوات الأمريكية من قاعدة “التنف” العسكرية الواقعة جنوب البلاد، والتي تسلمتها وزارة الدفاع السورية الأسبوع الماضي. وقد أشارت تقارير إلى أن الانسحاب من التنف جاء بعد اتفاق بوساطة واشنطن، يهدف إلى إعادة دمج بعض القوات المحلية، مثل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي يقودها الأكراد، ضمن مؤسسات الدولة السورية في سياق حل سياسي أوسع. هذه التحركات تشير إلى إعادة تقييم للوجود الأمريكي في سوريا وتوجه نحو تقليص الانتشار المباشر.
في سياق متصل، بدأت الولايات المتحدة الأسبوع الماضي بإخلاء قاعدة الشدادي جنوب محافظة الحسكة. تزامن هذا الإخلاء مع عملية نقل حوالي 7,000 سجين من تنظيم “داعش” الإرهابي من سجون الإدارة الذاتية الكردية، التي كانت تسيطر على المحافظة، باتجاه العراق. وقد جاءت هذه العملية بعد تفاهم أمني بين واشنطن وبغداد، مما يسلط الضوء على التعقيدات الأمنية المرتبطة بمصير مقاتلي داعش المحتجزين وتأثيرها على الاستقرار الإقليمي.
من جانبها، أكدت القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” أنها أكملت الانسحاب المنظم لقواتها من قاعدة “التنف” في سوريا، في إطار انتقال مدروس ومشروط تقوده قوة المهام المشتركة “عملية العزم الصلب” (Operation Inherent Resolve). وأفاد قائد القيادة المركزية الأمريكية، الجنرال براد كوبر، بأن القوات الأمريكية لا تزال على أهبة الاستعداد للرد على أي تهديدات قد يطلقها تنظيم “داعش” في المنطقة، مؤكداً أن الحفاظ على الضغط على التنظيم أمر أساسي لتعزيز الأمن الإقليمي. هذا التصريح يؤكد أن الانسحاب لا يعني التخلي عن هدف مكافحة الإرهاب، بل ربما تغيير في تكتيكات المواجهة.
تاريخياً، كان الوجود الأمريكي في شمال شرق سوريا يهدف بشكل رئيسي إلى دعم قوات سوريا الديمقراطية في حربها ضد تنظيم “داعش” الإرهابي، وتأمين حقول النفط والغاز في المنطقة. وقد شهد الصيف الماضي إخلاء الولايات المتحدة لأكبر قاعدتين لها في سوريا، وهما حقل العمر النفطي شرق محافظة دير الزور ومعمل غاز كونيكو شمالها، مما يشير إلى نمط متزايد من تقليص الوجود العسكري الأمريكي المباشر في البلاد.
إن تسليم قاعدة الشدادي للجيش السوري يحمل دلالات استراتيجية عميقة. فمن جهة، يمثل هذا الاستلام انتصاراً رمزياً للحكومة السورية في سعيها لاستعادة السيطرة الكاملة على أراضيها، ويعزز من موقفها في أي مفاوضات مستقبلية. ومن جهة أخرى، يثير تساؤلات حول مستقبل قوات سوريا الديمقراطية ومناطق سيطرتها، ومدى قدرتها على الحفاظ على استقلاليتها في ظل تراجع الدعم الأمريكي المباشر. إقليمياً، قد يؤدي هذا التحول إلى إعادة تشكيل التحالفات والتوازنات، مع احتمال تزايد نفوذ قوى إقليمية أخرى مثل روسيا وإيران في هذه المناطق الحيوية. يبقى التحدي الأكبر هو ضمان عدم استغلال تنظيم داعش أو أي جماعات متطرفة أخرى للفراغ الأمني المحتمل، وهو ما أكدت القيادة الأمريكية التزامها بمنعه.


